الراتب بين التآكل والنقصان

فؤاد قباني

يعيش السودان عدة أزمات متشابكة ومتداخلة، حتى أصبح من الصعب تحديد أيها بدأ قبل الآخر: أهو فساد الإدارة أم الفساد المالي؟ أم غلاء الأسعار وجشع التجار؟ أم تراخي الدولة في فرض هيبتها لحماية الفقير والمحتاج؟

لقد أدى تراخي الدولة في فرض هيبتها إلى ما نحن فيه اليوم من تهريب للمنتجات النقدية، كالذهب وغيره من الموارد، وحتى ما يتم تصديره عبر المعابر الرسمية لا يصل عائده كاملاً إلى خزينة الدولة.

أصبح مرتب الموظف أو العامل، وسط هذه الهجمة الشرسة وارتفاع سعر الدولار، لا يكفي احتياجات بضعة أيام، وبعدها تبدأ رحلة البحث عن مورد إضافي يسد ثغرة الجوع، ويواجه بكاء الأطفال طلباً للحليب وكراسات المدارس. ويظل رب الأسرة يدور بين مطرقة الاحتياجات، وصراخ الأطفال، وشكوى الزوجة، وتأنيب الضمير، والوازع الديني.

فإن سلم هو من الانحراف، فقد يتشوه سلوك أطفاله حقداً على مجتمع لا يرحم، وهم يرون زملاءهم من أبناء القطط السمان، الذين أكلوا أموال الناس بالباطل، يمرحون في النعيم ويلعبون بالمال الحرام.

لقد أصبح الفساد اليوم إمبراطورية داخل الدولة، يحمي بعضُ أهلها بعضاً، وتجمعهم مصالح متشابكة، يجتمعون ويفترقون عليها، ولكن همهم الأكبر هو كيف تزداد جيوبهم انتفاخاً وثرواتهم تضخماً بينما يزداد الفقراء فقراً.

وعلى الدولة، قبل أن تزيد المرتبات، أن تردع الفساد والمفسدين. وقد اتضح أن بعض من يُسجنون منهم يواصلون إدارة أعمالهم وهم خلف القضبان، ثم يخرجون أكثر ثراءً، وأكثر شراسة، وأشد تعلقاً بالسحت والمال الحرام.

لو أردنا ان نخفف العبء على أصحاب المرتبات علينا أن نحافظ على العملة من التناقص ولن يتم ذلك إلا بثلاثة أشياء: أن يكون سعر الوقود ثابتاً بتسعيرة من الدولة ، وأن يكون سعر الخبز ثابتاً ووزنه معروف، وأن نسعر الدواء ويكتب السعر على العلبة طالما الدولة هي من يدفع العملة الصعبة للشراء .

إن الشدة في العقوبة مطلوبة، فالحزم أساس استقامة الدول. وعندما وقف الحجاج بن يوسف الثقفي على المنبر قائلاً: «إني أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها»، نفذ ما قال، فانضبطت الأمور واستقام حال الدولة. وكذلك الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، حين ساد العدل وأُعطي كل ذي حق حقه، حتى قيل إنهم لم يجدوا من يأخذ الزكاة، فعم الخير الناس، وبلغ أثره الطير في الجبال والوديان.

علينا أن نبدأ بالتعليم والمعلم، وأن نتراحم فيما بيننا، وأن يرفع ولاتنا العصا في وجه من يعصي ويعتدي على حقوق الناس. فإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

فلنصدق في القول والعمل، ولنتحمل مسؤولياتنا جميعاً، أفراداً وحكاماً، ولنجعل مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

Exit mobile version