لا دولة عميقة ولا حكومة قوية

عبد اللطيف البوني يكتب:

كان في تركيا …وهو يشير إلى قوة جهاز الدولة البيروقراطي المتمثل في الجيش و البوليس والقضاء والإعلام وبقية مكونات الخدمة العامة …هذا الجهاز في تركيا كان رافضا لأي تغيير تأتي به الحكومات حتى ولو كانت تلك الحكومات منتخبة ..والمعلوم ان الحكومة هي التي تخطط السياسات وما على الجهاز البيروقراطي الا التنفيذ.لكن تشبع ذلك الجهاز بالأفكار الاتاتوركية جعله مؤدلج ورافض لأي تنفيذ لا يروق له. ..وبالفعل استطاع ان يسقط حكومات.. .وكان أقوى عناصر ذلك الجهاز هو الجيش ثم القضاء …واستمرت سيطرته الي مجي رجب طيب اوردغان… الذي قام بابعاد الجيش عن السياسة واستغل فشل الانقلاب ضده.. فقام بتنظيف الخدمة المدنية ..وانتهت بذلك الدولة العميقة في تركيا.. .لكن السؤال هل استبدل أوردغان دولة عميقة بدولة عميقة أخرى ؟ هذا السؤال تتأجل اجابته الي ما بعد ذهاب اوردغان . من تركيا انتقل مصطلح الدولة العميقة لكل العالم خاصة العربي .. …أما في السودان فحسب علمي ان اول من استخدمه هو الاستاذ محمد عثمان ابراهيم الشهير ب(مو) والان “اوكاك” .
في السودان يصعب القول ان هناك دولة عميقة بحكم عمر جهاز الدولة البيروقراطي القصير .. وقلة عدده مقارنة مع دول مثل تركيا ومصر ..فهذا الجهاز بناه المستعمر الانجليزي وعلى أسس موضوعية …وظل متماسك في بواكير العهد الوطني فشخصيات مثل ابو رنات في القضاء… ومحمد عامر بشير فوراوي في الإعلام… مامون بحيري في بنك السودان ثم وزارة المالية …كانت هي المسيطرة على دفة الأمور في عهد عبود والعهد السابق له ..ومع انها ليست مؤدلجة لكن نموزجها المثالي هو الإدارة الاستعمار ية …
(٢)
بعد ثورة أكتوبر كما ذكرنا بالأمس ..تدخلت السياسة بصورة واضحة ونفذ شعار “التطهير واجب وطني ” ..ثم الفصل للصالح العام.. .وتدخلت المحسوبية وربما الرشوة فأصبحت الخدمة العامة مهتزة… وضرب بقوانينها عرض الحائط وتقدم الولاء السياسي على الكفاءة …حكومة الإنقاذ توسعت بصورة غير عادية في افراغ قوانين الخدمة العامة من محتواها وتجييرها للمصلحة السياسية … فكان الفصل للصالح العام حيث لا يسال موظف الدولة عن سبب فصله من الخدمة ..كما اقامت أجهزة ضرار للأجهزة القديمة …وافرغت بعض الوزارات من محتواها خاصة عندما تكون الت لاحزاب حليفة وليست للمؤتمر الوطني الحزب الحاكم ..
بعد نهاية الإنقاذ بثورة ١٩ ديسمبر ٢٠١٨ لم تجد الجهة الحاكمة الجديدة وهي الحرية والتغيير اي صعوبة في انتياش رموز الخدمة العامة خاصة الجانب المدني ….فاعملوا سلاح التطهير وسلاح الصالح العام …وابتدع أحدهم مصطلح التعفيش عندما قال في أول لقاء له مع منسوبي المؤسسة التي عين رئيسا لها “اي زول مؤتمر وطني يشيل عفشه يتخارج من هنا بسرعة” ..بعد انقلاب أكتوبر ٢٠٢٥ تم ارجاع معظم من فصلتهم الحرية والتغيير وعن طريق القضاء…وهنا يمكن أن يذكر مولانا القاضي ابو شعيرة … وهكذا أصبح الجهاز البيروقراطي غير مستقر وضعيف وغير ذي تأثير في الوضع السياسي.. .بدليل ان ان ثورتي أكتوبر ١٩٦٤ وثورة أبريل ١٩٨٥ نجحتا عندما نفذ جهاز الدولة الإداري الإضراب العام .أما ثورة ١٨ أبريل فقد كان سبب نجاحها التظاهر المتواصل ودعوات العصيان المدني والأهم الاعتصام امام القيادة العامة ..
(٣)
ثم جاءت الحرب في ١٥ أبريل ٢٠٢٣ فاختفي جهاز الدولة البيروقراطي في العاصمة وكل اقاليم الوسط ..ثم بدا يعود تدريجيا على حسب اختفاء الدعامة ..عليه لكل ما تقدم نقول انه ليس هناك من يجزم بأن في السودان دولة عميقة على الاقل في الجانب المدني …الناظر و المتامل في الأوضاع اليوم يدرك ان جهاز الدولة في أضعف حالاته وليس فيه من ملامح جهاز ما قبل الحرب. الا الشدة في جمع المكوس والضرائب والجبايات و التضييق على المواطن ماليا .. هذا المال جله يذهب لمصلحة العاملين عليه …والحكومة لضعفها عاجزة عن كبح جماحه …وبما ان السياسة لا تعرف الفراغ فإن ضعف الجهاز البيروقراطي للدولة ونهمه للمال مع ضعف الحكومة أوجد سلطة خفية تدير المشهد ..تتكون من جماعات مصالح “كارتيلات” لها قدرات على تحريك أدوات الدولة وعناصر الحكومة لمصلحتها الخاصة …فالاضطراب الحاصل الان في السياسات الاقتصادية والقرارات الإدارية ناجم من صراع تلك الكارتيلات… فإذا ما استمرت الأوضاع بهذة الصورة فسوف يلحق هذا السودان أمات طه ….ليت كانت لنا دولة عميقة مهما كان توجهها أو حكومة قوية مهما كانت توجهات أفرادها…ليس هناك أسوأ من الفراغ الذي يملأه الأشباح الذين لا نراهم وهم يرون كل المشهد

Exit mobile version