رأي

الرأسمال الذي لم يهرب .. معركة أخرى

رشان أوشي

بينما كان الجيش السوداني يخوض معركة البندقية، كان هناك مقاتلون آخرون يخوضون معركة لا تقل أهمية، هي معركة الاقتصاد والإنتاج، تحت زخات الرصاص ودوي المدافع التي أحالت البنى التحتية إلى ركام.

وفي الوقت الذي هربت فيه قطاعات واسعة من الرأسمالية والمنتجين من جحيم الحرب، ونقلت أعمالها إلى دول الجوار، اختارت قلة قليلة أن تبقى داخل السودان؛ انتقلت من العاصمة المحتلة إلى مدن قريبة، وخاطرت بما تبقى من أموالها، حتى لا يتوقف الإنتاج، وحتى لا يجوع السودانيون.

لم أمارس الصحافة الاقتصادية، ولا أدعي معرفة واسعة بتفاصيل الاقتصاد وأسواقه، لكنني أعرف جيداً أن هناك مواقف وطنية بائنة كالشمس، لا تحتاج إلى كثير من الشرح.

أمس، شاركت، برفقة عدد من الزملاء الأفاضل، في تدشين مشروع جديد لمجموعة “أصيل القابضة”، المملوكة لابن أم درمان، ياسر أحمد كمبال. وأسرة “كمبال” واحدة من الأسر العريقة التي أسهمت، على مدى عقود، في النهضة الاقتصادية للسودان، خصوصاً في مجال الصناعات التحويلية وإنتاج المواد الغذائية. تجار عصاميون حفروا في الصخر، وبنوا ثرواتهم بالعمل والإنتاج، لا بالتسهيلات ولا بعلاقات السلطة.

دشنت مجموعة “أصيل القابضة” رسمياً مشروعها الجديد للدواجن بمدينة شندي في ولاية نهر النيل، بحضور وزير الثروة الحيوانية والسمكية، البروفيسور المنصوري، في محاولة لتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي من اللحوم البيضاء، وتقليل فاتورة الاستيراد التي تستنزف العملة الصعبة، وتنعكس في النهاية على أسعار الغذاء ومعيشة المواطن.

ويضم المشروع مذبحاً وماكينات للتجفيف والتجميد، بطاقة إنتاجية تبلغ نحو (650) ألف طن شهرياً، إلى جانب مصانع أخرى تنتج الصابون والبسكويت واللبن المجفف والعصائر والكرتون.

لكن قصة “أصيل” لا يمكن اختزالها في مصنع جديد فقط؛ إنها نموذج لما يواجهه الرأسمال الوطني الذي قرر أن يبقى ويُنتج داخل السودان، رغم الحرب.

ففي ظل انهيار البنية التحتية وشح الكهرباء، تستهلك مصانع المجموعة نحو مليون لتر، أو ما يعادل (222)ألف جالون من الوقود أسبوعياً، حتى لا تتوقف خطوط الإنتاج.
وجميعنا يعلم تكلفة أن يصبح الوقود بديلاً عن الكهرباء. هنا يتحول الإنتاج نفسه إلى معركة يومية.

ولا يتوقف الأمر عند ذلك. فالرأسمال الوطني يواجه مسارات أخرى من المعاناة، بينها الجبايات المتعددة وغير المنطقية، التي تثقل كاهل المنتجين، من دون أن يرى المواطن أثراً واضحاً لها في حياته اليومية.

وهو ما يدفعنا إلى التساؤل عن أسباب تعثر إعادة تشغيل محطة كهرباء المنطقة الصناعية بحري. فهذه المنطقة ترتبط أرزاقها، بصورة مباشرة، بنحو (35) ألف عامل وأسرة، ويعني تشغيلها عودة خطوط الإنتاج إلى العمل، وتوفير السلع، وتقليل الضغط على الأسواق وفاتورة الاستيراد.

وقد توصل اصحاب المصانع، مع لجنة تهيئة البيئة التي كان يقودها الفريق إبراهيم جابر، إلى اتفاق يقضي بمساهمتهم بنسبة (50 ٪؜) من تكلفة صيانة المحطة، البالغة خمسة ملايين دولار.ومع ذلك، لا يزال المشروع متعثراً، وسط مماطلة في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه.

وبعد مغادرتي ولاية نهر النيل، بدأت أبحث في أوضاع المناطق الصناعية في الخرطوم، وما وصلت إليه يفتح الباب أمام تساؤلات واهمها:هل تعطيل بعض المناطق الصناعية مجرد نتيجة طبيعية للحرب والدمار، أم أن هناك مصالح وأياد خفية تستفيد من استمرار هذا التعطيل؟
خصوصاً في ظل وجود منتجين يعملون داخل السودان، في مواجهة أزمات الكهرباء والوقود والجبايات، بينما تنافسهم منتجات وخطوط إنتاج مرتبطة برؤوس أموال سودانية تعمل خارج البلاد، ثم تدخل إلى السوق السوداني بأسعار مرتفعة.

قصة صمود “أصيل القابضة”، وغيرها من المنتجين السودانيين، ينبغي أن تدفع الدولة إلى إعادة النظر في طريقة تعاملها مع القطاع الصناعي.
فالدولة التي تسعى إلى وقف نزيف العملة الصعبة، لا يمكن أن تنظر إلى الصناعة باعتبارها مجرد مصدر للجبايات، بل باعتبارها جزءاً مهماً من الأمن الاقتصادي والغذائي.

والدولة التي تضع سياسات تمنع استيراد بعض السلع الاستهلاكية بحجة حماية الصناعة المحلية، مطالبة، في المقابل، بأن تهيئ البيئة التي تسمح للمصنع المحلي بالإنتاج والمنافسة.

وهنا يبرز سؤال آخر، أكثر أهمية، وموجه إلى رئيس الوزراء ووزارة التجارة والصناعة:ما المعطيات الاقتصادية التي استندت إليها سياسات حظر بعض السلع الاستهلاكية من الاستيراد؟
إذا كان الهدف هو حماية المنتج المحلي وتقليل استنزاف العملة الصعبة، فكيف يمكن تحقيق ذلك في الوقت الذي تتعثر فيه إعادة تأهيل المناطق الصناعية، وتبقى منشآت إنتاجية كبرى خارج دائرة العمل، وتُفرض على المنتجين جبايات وأعباء إضافية؟

أما إجابتي أنا عن هذه الأسئلة، فملخصها أن السودان، إلى جانب حاجته إلى كهرباء وطرق مفتوحة ووقود متاح وجبايات معقولة وسياسات مستقرة، يحتاج، قبل كل ذلك، إلى إدارة تدرك أن المصنع الذي يعمل اليوم قد يعني الوجبات التي تصل إلى موائد السودانيين غداً.
يحتاج إلى إدارة تفهم أن الإنتاج ليس مجرد ضرائب وجبايات، وإنما خبز على موائد الأسر، وفرص عمل، وعملة صعبة.

وأخيراً، هناك من يقاتل في الميدان، وهناك من يقاتل في المصنع. وكلاهما، بطريقته، يخوض معركة من أجل بقاء الدولة.
محبتي واحترامي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى