الدم عدو البلاغة: يا رشا عوض

كتب عبد العزيز بركة ساكن:
من قصص الشعوب:
المسألة ليست رأياً، ولا سوء تقدير، ولا خلافاً في زاوية النظر.
المسألة دم.
والدم عدو البلاغة، ولا يثق في الأقنعة الزيف المدنية، لا تقنعه الأسماء ولا يعترف بالمناورات اللغوية التي تُعاد بها صياغة الجريمة حتى تبدو كالتباس سياسي. الدم المراق لا يحب البلاغة يا رشا وادانة الجريمة ليست وجهة نظر، ولكنها موقف أخلاقي.
حين تكتبين عن ضحايا الجنجويد، ثم ترفعين دروعك للزود عن حمدوك وحلفاءه ضد هتافات من وقفوا في مواجهة المليشيا دفاعًا عن أهلهم، فأنت لا تمارسين نقداً سياسياً بل تمارسين إعادة توزيع أخلاقي للجريمة: تخفيفاً عن شركاء، وتشديداً على من لم يملك رفاهية الحياد. هل يمكن تسمية خروج حمدوك وثلته لاجتماعكم للتفاهم مع حميدتي (القاتل) وترويجك لجودة الاجتماع معه! هل يُسمى ذلك شراكة دم، أم لديك له اسما آخر؟
انت تقولين إن مناوي ورّط مجتمعه لأنه حمل السلاح دفاعًا عن أهله.
سؤال واحد، مما يلي من أسئلة، يكفي ليعري هذا المنطق من جذوره: كم من نساء دارفور كان يجب أن يُغتصبن؟ كم من القرى كان ينبغي أن تُمحى من الخرائط؟ كم من الأطفال كان يجب أن يُدفنوا في مقابر جماعية – على يد الجنجويد الذين تدعين ادانتهم في مقالك – قبل أن يصبح الدفاع عن النفس حقًا لا تورطاً؟ هل كان يجب على مناوي ان يتفرج على جرائم الجنجويد التي تدعين ادانتها ليصبح صالحا في نظرك، ام يدافع عن اهله ومجتمعه ضد هذه الجرائم والتي للغرابة لا تزالين تدعين ادانتها؟
كم من أهل مناوي كان ينبغي أن يُقتلوا ويُغتصبوا ويُهجّروا قبل أن يصبح الدفاع عنهم مشروعًا في ميزانك الأخلاقي؟
وإذا كان الدفاع جريمة، فماذا نسمي الصمت؟
خذينا إلى المثال الذي تحاولون دائمًا الهروب منه:
خميس أبكر.
والذي قُتل علنا في مطلع الحرب في 2023، بعد اختطافه من مقر ولايته في الجنينة، وهو الرجل الذي ظل حتى لحظة خطفه يدعو إلى التهدئة والسلام علنا على شاشات التلفزيون
هل كان خميس أيضاً قد ورّط أهله؟
أم أن الضحية عندكم تُدان فقط عندما تُربك السردية التي تريدون تسويقها؟
هل الشباب الذين دفنهم الجنجويد أحياء، قد ورطوا أنفسهم بأنهم وقعوا في أيدي الجنجويد؟
يا رشا عوض…
هل تحاولون ارهاب الناس والضحايا ليتجاهلوا – خوفا من سلاطة السنتكم – ما رأته اعينهم وتناسي ما عاشوه من مأساة، قرباناً لترويج سرديتكم السياسية، اّي سلم يُتخذ للسلطة من فوق تاتشرات الجنجويد. تتعاملون مع الضحايا في خطابكم وكأنهم ليسوا بشراً من لحم ودم، بل أدوات بلاغية تُستخدم أو تُهمل حسب الحاجة السياسية. أنتم تعتقدون ان من حقكم إعادة توجيه الغضب الشعبي بعيداً عن الجناة الحقيقيين، وتبييض صفحاتهم المغمسة بالدم تحت لافتات مدنية زائفة. ولكن هذا الزيف ليس رأيا بل هو شراكة في الجريمة
وان كنا نتحدث عن فضح الزيف، فلعلك تخبرينا عن تزييف وقائع الاغتصابات في بيان جبهتكم المدنية في مايو 2023.
لماذا قمتم بتزوير وقائع الاغتصابات وتغيير نسبتها من مرتكبيها الحقيقيين مرتزقة المليشيا ونسبتها الي الجيش بالشكل الذي اضطركم للتراجع وللاعتذار عن ذلك لاحقا؟ لماذا مارستم هذا التزييف الذي اعترفتم به بأنفسكم! هذه ليست زلة لغوية بل مشاركة مباشرة في جريمة لها نتائج مباشرة على أجساد النساء وكرامة المجتمعات المنكوبة.
وهذه ليست قراءة سياسية، هذه واقعة أرشيفية واتهام مباشر بالزيف يمكنك الرجوع إليها حرفيًا.

حين يُزوَّر اسم الجاني في جريمة اغتصاب جماعي، فإن اللغة نفسها تتحول إلى سلاح.
من يعبث باللغة في لحظة الدم لا يقف خارج الجريمة، بل يشارك في هندستها وحماية الجاني واتاحة المزيد من الحصانة له لمواصلة ارتكابها.

وماذا عن زمزم…
فزمزم لم تُقصف فجأة… بل كُتبت أولًا
زمزم كانت شاهدا على القتل الذي يُحضَّر له أولاً في المقالات، في البيانات، وفي تحييد الضحية عن وضوح الجاني. ولعلك يمكنك ايضا ان تراجعي البيان الذي اصدرتموه بلافتة المجتمع المدني ووقعت عليه -ويا للغرابة- اللجنة القانونية لتحالفكم حينها (تقدم) والذي مهد للهجوم على معسكر زمزم بشيطنة الضحايا واتهام النازحين بأنهم يمتلكون منصات لإطلاق الصواريخ والمسيرات!
يا رشا عوض … لا تتحدثي عن الزيف، فأنتم الذين تمارسونه دون خشية.. غريب!

وتسألين من رحم من خرج الجنجويد؟ واقول لك كفّي عن المراوغة فليس في فمنا ماء.
وهذا السؤال محسوم تاريخيًا منذ مطلع الألفية:
الجنجويد هم نتاج مباشر لتحالف جهاز الأمن، والاستخبارات العسكرية، وميليشيات المؤتمر الوطني في حرب دارفور (2003–2010)، وهو ما وثقته تقارير الأمم المتحدة، والجنائية الدولية، وملفات أوكامبو وبنسودا. ونحن انتفضنا على هذا النظام وأسقطناه بثورة دفعنا ثمنها شهداء وسجونًا وتشريداً ومنافي. فلماذا تريدون حبسنا في هذا التاريخ، وان تجبرونا على نستمر في دفع ثمن اخطاء الانقاذ بالقبول بهم وبجرائمهم مجدداً.
السؤال الحقيقي الذي يطرح نفسه الان ليس من صنعهم في الماضي، بل من الذي يستخدمهم مطية لأهوائه وطموحاته السياسية اليوم!
لماذا يجري اليوم تبني خطابهم سياسياً وإعلامياً تحت لافتة القوى المدنية؟ والمدنية من الجنجويد براء.
كيف تحوّلت المليشيا، المتهمة بالإبادة والاغتصاب والتهجير المنهجي، إلى فاعل سياسي يمكنكم التفاهم معه وتوقيع التحالفات والاتفاقات؟
حين تُخفَّف جرائم المليشيا، وتُعاد صياغة أدوارها كأمر واقع، ويُعاد توجيه الغضب حصرياً نحو خصومها، فإننا لا نتحدث عن اجتهاد محلي بريء. نحن أمام سردية إقليمية تمولها دولة ذات مصلحة، وتسوّقها بمعيتكم منذ 2023 لتبييض الدعم السريع واعادة تقديمها كفاعل طبيعي. ولكن الجنجويد فاشست، والفاشية لا يمكن التعايش معها.
اللغة هنا ليست بريئة.
اللغة جزء من منظومة النفوذ والسردية جزء من مؤامرة شيطانية على اهل بلادنا المساكين.

حين يضيع اسم القاتل في الضباب اللغوي، يصبح القتل أسهل، ويصبح الإفلات من العقاب سياسة عامة.

ولكن ليس غريباً عليك هذا الموقع… لكنه فاضح. فليس مستغرباً أن يصدر خطابك هذا ممن كانت جزءًا من منصة الحديث الرسمي لتحالف حمدوك، إلى جانب علاء نقد، متحدث الجنجويد الرسمي الذي يبرر اليوم لاعتقال زميلك الصحفي معمر ابراهيم! أ فليس للزمالة حق عليك يا رشا عوض؟ ام ان ما تمارسينه اليوم هو السقوط الاخلاقي الي الدرك الادنى من الانحطاط؟ لكن الفضيحة ليست سياسية فقط، إنها أخلاقية وثقافية.

كلمة اخيرة يا رشا،
إن لم تخش الحقيقة، فاخش الدم.
فالدم لا يقبل إعادة الصياغة، ولا يحترم التوازنات، ولا يغفر للمثقفين الذين يتحولون إلى ادوات ارهاب ومحامين لتبرير للجريمة وهم يظنون أنهم يمارسون التنوير.
التاريخ لا يكتب بلغة العلاقات الشخصية ولا يعرف المجاملات العامة بل يُكتب بميزان العدالة، ولو بعد حين.

Exit mobile version