رأي

الدكتور عمر نور الدائم… شهادة في سيرة رجل من طراز نادر

بقلم: مبارك المهدي
الجزء الأول ١ من ٢
يصعب عليّ أن أتحدث عن الدكتور عمر نور الدائم باعتباره زميلًا في العمل السياسي فحسب، فقد امتدت علاقتي به منذ يونيو 1969، وتقاسمنا على مدى أكثر من ثلاثة عقود مسؤوليات النضال والعمل الوطني، في المعارضة كما في الحكم، وفي الداخل كما في الخارج. ولذلك فإن ما أسطره اليوم ليس مجرد كلمة وفاء في حق رجل رحل، وإنما شهادة للتاريخ عن قائد وطني عرفته عن قرب، وعملت معه في أدق مراحل تاريخ السودان الحديث.
كان الدكتور عمر نور الدائم واحدًا من أولئك الرجال الذين جمعوا بين الأصالة والحداثة في أبهى صورها. فقد نال درجة الدكتوراه في الهندسة الزراعية من جامعة غوتنغن بألمانيا، وعاد إلى وطنه يحمل علمًا راسخًا وثقافةً واسعة، لكن سنوات الدراسة والعيش في أوروبا لم تبدل من معدنه، ولم تنتزع منه بساطة الريف السوداني، ولا قيم المجتمع الذي نشأ فيه، ولا التزامه الديني والأخلاقي. ولذلك استحق عن جدارة لقب شيخ العرب، لأنه جمع بين رقي العلم وأصالة الانتماء، وبين ثقافة العصر ونبل الموروث السوداني.
وكان، رحمه الله، أنصاريًا صادق الانتماء، شديد الوفاء لمبادئه، لكنه في الوقت نفسه كان رجل سياسة واسع الأفق، يؤمن بالحوار، ويحترم الرأي الآخر، ويجيد بناء الثقة مع الجميع. فلم يكن التعصب يعرف إليه سبيلًا، بل كان يرى أن الاختلاف في الرأي لا يلغي وحدة الهدف، وأن السياسة فن جمع الناس على المصالح الوطنية الكبرى.
وقد لعب الدكتور عمر نور الدائم دورًا محوريًا في الحياة السياسية السودانية، وفي قيادة حزب الأمة، كما أسهم بعلمه في تطوير القطاع الزراعي، وتولى الأمانة العامة للحزب بعد قامات وطنية كبيرة، مثل الأميرلاي عبد الله خليل بك، والحبيب عبد الله عبد الرحمن نقد الله، فكان خير خلف لخير سلف، وحافظ على تقاليد الحزب ومكانته الوطنية.
بداية علاقتي بالدكتور عمر
بدأت علاقتي بالدكتور عمر نور الدائم في يونيو عام 1969، وكنت آنذاك طالبًا في المرحلة الثانوية بمدينة بيروت، بعد أسابيع قليلة من انقلاب الخامس والعشرين من مايو.
وكان الدكتور عمر موجودًا في لندن، حيث أجرى عملية جراحية لعلاج قرحة في المعدة، ثم قدم إلى بيروت، واتصل بي، وكلفني بحمل رسالة شفهية إلى الإمام الهادي المهدي في الجزيرة أبا.
وكان مضمون الرسالة سؤالًا بالغ الأهمية: هل يعود إلى السودان، أم أن الإمام يرى أن بقاءه في الخارج أولى، ويكلفه بمهمة وطنية؟
سافرت إلى الخرطوم، ومنها إلى الجزيرة أبا، وتشرفت بلقاء الإمام الهادي المهدي، ونقلت إليه رسالة الدكتور عمر. فحمّلني سلامه إليه، وأبلغني أنه أوفد الشريف حسين الهندي عبر الحدود لمقابلة الإمبراطور هيلا سيلاسي، ثم السفر إلى المملكة العربية السعودية لمقابلة الملك فيصل بن عبد العزيز، لطلب الدعم لمقاومة النظام الانقلابي ذي التوجه الشيوعي والقومي العربي.
كما أوفد نجله، الطالب في لندن، ولي الدين المهدي، ليلتحق بالشريف حسين الهندي، تأكيدًا لصحة الرسالة أمام الإمبراطور هيلا سيلاسي والملك فيصل. ثم كلف الدكتور عمر نور الدائم بالالتحاق بهما، ليكون ممثله الدائم في الخارج، ويتولى مسؤولية العمل السياسي والتنظيمي باسم الإمام وحزب الأمة.
كانت تلك أول مهمة سياسية أقوم بها في حياتي، وكانت بداية دخولي العمل السياسي السري من أوسع أبوابه، إذ أصبحت بعد ذلك أحمل الرسائل السرية بين الإمام الهادي المهدي وقيادة المعارضة في الخارج. ومنذ تلك اللحظة أدركت أنني أمام رجل لم يكن يبحث عن موقع أو منصب، وإنما كان مستعدًا لأن يضع نفسه حيث تقتضي مصلحة الوطن، سواء داخل السودان أو خارجه.
سنوات المعارضة الأولى
الجزء الثاني ٢/٢
ومنذ ذلك التكليف، أصبح الدكتور عمر نور الدائم أحد الأعمدة الرئيسية للعمل المعارض لنظام مايو. فقد مثّل حزب الأمة، بتفويض من الإمام الهادي المهدي، في تأسيس الجبهة الوطنية إلى جانب الشريف حسين الهندي والأستاذ عثمان خالد مضوي، وظل طوال سنوات المعارضة، وحتى المصالحة الوطنية في سبتمبر 1977، قائدًا لعمل حزب الأمة في الخارج، وممثله في الجبهة الوطنية، وحاملًا لراية الدفاع عن الديمقراطية.
كما لعب دورًا محوريًا في الإعداد لحركة الثاني من يوليو 1976، التي كادت أن تغير مسار التاريخ السوداني، لولا أن إرادة الله شاءت ألا تكتمل بعض أسباب نجاحها.
في حكومة الديمقراطية
وعندما استعادت البلاد نظامها الديمقراطي عقب انتخابات عام 1986، تزاملت مع الدكتور عمر نور الدائم في حكومة الإمام الصادق المهدي المنتخبة، حيث عملنا معًا وزيرين خلال الفترة من مايو 1986 حتى انقلاب الثلاثين من يونيو 1989.
وقد جمعنا تعاون وثيق، خاصة في القطاع الاقتصادي، إذ كنا نتشاور باستمرار حول قضايا الاقتصاد والتنمية، ونتعاون في معالجة التحديات التي واجهت البلاد آنذاك. وكان الدكتور عمر يتميز بحسن الاستماع، ورجاحة الرأي، والقدرة على الوصول إلى التوافق دون أن يتخلى عن ثوابته أو قناعاته.
وخلال تلك الفترة ازددت معرفةً به عن قرب، فوجدته رجل دولة بكل ما تحمل الكلمة من معنى؛ هادئًا في طبعه، رصينًا في أحكامه، بعيدًا عن الانفعال، يقدم مصلحة الوطن على كل اعتبار، ويؤمن بأن نجاح العمل العام لا يتحقق إلا بالتعاون والثقة المتبادلة بين الزملاء.
ولم يكن يسعى إلى الظهور أو إلى احتكار القرار، بل كان يؤثر العمل الجماعي، ويحرص على أن تُتخذ القرارات بعد التشاور، وهي خصال لازمته طوال مسيرته السياسية، وجعلت منه موضع احترام وثقة لدى زملائه ورفاقه داخل الحزب وخارجه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى