الدفاع عن اللغة العربية بين الحراسة والتحنيط

خالد محمد أحمد
دعا الأستاذ الريَّح عبد القادر محمد عثمان في مقالته الموسومة بـ (طوامُّ الترجمة: جرائم في حقّ اللغة العربية والمجتمع) إلى التمسُّك بأصول اللغة العربية، والمحافظة على (نقائها)، ومقاومة المدّ المتزايد من الألفاظ والمصطلحات الدخيلة التي تتسلَّل إليها عبر الإعلام وشتَّى ضروب العلم والمعرفة. وهي دعوةٌ تنبع، بلا شكّ، من حرصٍ صادق على اللغة العربية، ومن موقعٍ علمي لا ادّعائي.
لا أختلف مع طرح الأستاذ الريَّح من حيث تشخيص الخلل في الأمثلة التي ساقها، غير أنني لا أتفق معه في زاوية النظر إلى معاطاته.
من حيث الخلفية العامة، تتوزَّع مواقف المهتمّين بتطوُّر العربية بين ثلاثة اتجاهاتٍ رئيسة.
يرى الاتجاه الأول المحافظ المتشدّد أن العربية تضرَّرت من الإفراط في الاقتراض من اللغات الأجنبية، وخاصةً الإنجليزية. وينطلق هذا الموقف من اعتبار العربية لغة الإسلام وحاملة التراث والهويَّة، ومن ثمَّ يرفض أيّ تغييرٍ من شأنه المساس ببنيتها وسَمْتها. ويؤمن أنصار هذا الاتجاه بقدرة العربية على استيعاب العلوم الحديثة متى ما أُحْسِن تعريبها، بل ويدعون إلى تأخير تعليم اللغات الأجنبية حمايةً لها. وغالبًا ما تنظر المؤسسات اللغوية، في هذا السياق، إلى نفسها بوصفها حارسةً للنقاء، فتقاوم التغيير ولا تقبله إلا على مضضٍ انطلاقًا من اقتناعٍ راسح مفاده أن التغييرات المفرطة تُفسد اللغة.
في المقابل، ينطلق الاتجاه الثاني من اعتبار اللغة كائنًا حيًّا يخضع لقوانين التطوُّر والتراجع، ويرى في الاقتراض اللغوي وسيلةً طبيعية لإغناء العربية ومواكبة المستجدّات العلمية والاجتماعية والاقتصادية العالمية، معتبرًا أن نقص المصطلحات ليس عيبًا في اللغة بقدر ما هو نتيجةٌ لاختلال موازين الإنتاج المعرفي عالميًا.
أمَّا الاتجاه الثالث، وهو الأقرب إلى نفسي، فينطلق من التسليم بأن تطوُّر اللغة محتوم ولا فكاك منه، ومن ثمًّ لا مناص من إتاحة المجال للصيغ والمفردات المقبولة لتجد طريقها إلى الاستعمال، مع الحرص الواجب على صون جوهر اللغة وحمايتها من الانزلاق إلى ما يتعارض مع قواعدها وأصولها، أو يُضعف قدرتها على التعبير والإبانة السليمة.
ولئن كان تأثُّر العربية باللغات الأخرى سابقًا على عصر الإعلام الرقمي، فإن هذا العصر قد ضاعف من سرعة التأثير وحدّته حتى بات الإعلام اليوم أكبر مُشكِّلٍ فعليٍّ للغة العربية المعاصرة، متقدّمًا على اللغويين ومجامع اللغة. فالإعلام لا ينتظر قرارًا أكاديميًا، بل يفرِض الاستعمال، ثم تُجبَر القواميس لاحقًا على التدوين لا التشريع. وما يستقرُّ في الخطاب الإعلامي ينتقل سريعًا إلى التعليم والخطاب اليومي ليصبح جزءًا من النسيج اللغوي الحي.
وقد أقرَّ واضعو بعض المعجمات ثنائية اللغة بأن شيوع الاستعمال الإعلامي عاملٌ حاسم في إدراج المصطلحات مهما كانت التحفُّظات العلمية عليها. بل إن كثيرًا من الإعلاميين والمدقّقين اللغويين يجدون أنفسهم مضطرّين لقبول المصطلح الشائع ولو كان معيبًا تفاديًا للعزلة المهنية أو الاتهام بالتكلُّف.
ولا يخفى أن شيوع الكلمات المستحدَثة يرتبط غالبًا بسهولتها وقابليتها للتداول مقارنةً بألفاظٍ قديمة هجرتها الألسنة. ومن هنا برزت قاعدةٌ غير مكتوبة مفادها أن (مُستحدَثًا مفهومًا ومتداولًا خيرٌ من قديمٍ مهجور). ومع ذلك، فإن شيوع الاستعمال، وإنْ كان مرحلةً مبكرة لإدخال صيغٍ جديدة إلى اللغة، يظلُّ أكثر قبولًا على مستوى المفردات والمعاني منه على المستوى النحوي، لما للنحو من ارتباطٍ وثيق بالقرآن وتفاسيره وتأويلاته، وما يفرضه ذلك من حساسيَّةٍ مضاعفة.
ومن هنا يتضح أن جوهر خلافي مع طرح الأستاذ الريَّح لا يكمن في تشخيص الظاهرة، بل في الانشغال بإزالة ما استقرَّ من الاستعمالات، وهو ما يبدو ضربًا من إدارة اللغة بأثرٍ رجعي. الأجدى في تقديري هو منع الأخطاء القادمة من أن تترسَّخ وتتحوَّّل إلى أعرافٍ لغوية. وهذا الضبط لا يتحقَّق بالصراخ ولا بالتباكي ولا بالتجريم، بل بالتدخُّل المبكر والتنسيق بين مجامع اللغة، ووسائل الإعلام، والمؤسسات التعليمية لمراقبة هذا التطوُّر وإدارته إدارةً رشيدة.
مقالة الأستاذ الريَّح صرخةُ محبٍّ للغة، وهذا يُحسَب له. غير أن الدفاع عن العربية لا يكون بتكليسها، بل بالثقة في قدرتها على الهضم والتكيُّف. ولا يكمن الخطر الحقيقي في تطوُّر اللغة، حتى في تجلّياته السلبية، بقدر ما يكمن في الخلط بين الحراسة والتجميد، وفي كتم أنفاس اللغة بذريعة الحماية. والحكمة، في النهاية، هي تحقيق التوازن بين صون جوهر اللغة وإفساح المجال لتطوُّرها الطبيعي المحتوم، لأن اللغة كائنٌ يولَد، ويكبر، وقد يشيخ ويتراجع. أمَّا العربية، فباقيةٌ بحيويّتها وانفتاحها لا بعزلتها وتقوقعها. وهي فوق ذلك ليست لغةً عابرة في سجلّ التاريخ، بل لغةٌ كُتِب لها البقاء بقاء الإنسان على وجه البسيطة، لاقترانها بمعنى الذِّكر والحفظ.



