رأي

الخليج تحت القصف… أين العرب؟

فيما أرى

 عادل الباز

١

لشعوب الخليج اليوم حقٌ كامل في أن تسأل: أين العرب؟ وأين التضامن العربي؟

 لأكثر من أسبوعين تتعرض الدول والعواصم الخليجية للقصف والتهديد المباشر، بل إن بعض الدول بات وجودها نفسه مهددًا. وفي واحدة من أكثر اللحظات حرجًا في تاريخها الحديث، تتلفت دول الخليج حولها فلا تجد سوى بيانات باهتة تعلن التضامن بالكلمات ولا تترجمه إلى أفعال.

لماذا يحدث هذا؟

 مواقف دول الخليج مع ما يُسمَّى بالأمة العربية والإسلامية ليست خافية على أحد. فهذه الدول كانت، لعقود طويلة، في مقدمة الداعمين للقضايا العربية. وفي حرب 1973 أوقفت صادرات النفط، رغم ما كان يعنيه ذلك من خسائر ومخاطر اقتصادية جسيمة. وظلت، طوال عقود الصراع العربي الإسرائيلي، تدعم القضية الفلسطينية سياسيًا وماليًا، وامتدت مساعداتها إلى معظم الدول العربية في أزماتها الاقتصادية وكوارثها الطبيعية، كما فتحت أبوابها لملايين العرب الذين وجدوا فيها فرص العمل والحياة الكريمة.

 باختصار: لم تقصّر دول الخليج يومًا مع العالم العربي. فأين رد الجميل اليوم، وهي تواجه تهديدًا مباشرًا من جارٍ ينتهك…؟ لماذا هذا الصمت العربي المريب؟

٢

ليس مطلوبًا من الدول العربية إرسال أساطيل أو الدخول في الحرب، لكن كان بإمكانها إظهار تضامن حقيقي يتجاوز البيانات الدبلوماسية الباردة. من الأمور التي كان يمكن فعلها:

الدعوة العاجلة إلى قمة عربية لإدانة العدوان الإيراني على دول الخليج الشقيقة التي ليست طرفًا في الصراع الجاري.

إطلاق تحرك دبلوماسي عربي جماعي للضغط من أجل وقف الحرب قبل امتداد نيرانها إلى المنطقة بأكملها.

إرسال وفد عربي رفيع المستوى لزيارة الدول الخليجية المتضررة من القصف.

التحدث بصوت واحد مع إيران لإبلاغها أن استمرار الاعتداء لن يمر دون موقف عربي موحد.

هذه الخطوات – وإن لم توقف الحرب – كانت ستبعث رسالة معنوية قوية إلى شعوب الخليج بأنهم ليسوا وحدهم، وأن الأمة التي وقفوا إلى جانبها طوال عقود تقف اليوم إلى جانبهم.

 كان يمكن أيضًا استنهاض الشعوب العربية في يوم تضامن عربي إسلامي، تخرج فيه المظاهرات لإدانة العدوان الإيراني، والمطالبة بوقف الحرب العدوانية الصهيونية-الأمريكية التي تهدد مصالح دول الخليج كلها.

أليس من المعيب أن تطلب دول الخليج دعم أوكرانيا، وأن تدعم روسيا، بينما لا تتقدم دولة عربية واحدة للعون – ولو بطائرات مسيَّرة أو منظومات دفاع جوي؟

 (وبالطبع لن يستطيع الكثيرون إدانة الولايات المتحدة وإسرائيل، لأنهما من أشعل نار الحرب في المنطقة ثم تركوها مشتعلة).

ما يشعر به المواطن الخليجي اليوم ليس الخوف من المستقبل فقط، بل العزلة أيضًا. الجار القريب (إيران) يقصف، والولايات المتحدة تتصرف وفق حساباتها الخاصة، وإسرائيل لا تخفي مشروعها للهيمنة، أما العالم العربي – الذي كان يتحدث يومًا باسم أمة واحدة – فيكتفي الآن بالمشاهدة.

أقل ما يمكن فعله الآن هو الدعوة إلى يوم عربي إسلامي للتضامن مع دول الخليج، تُرفع فيه الأصوات رفضًا للاعتداء عليها، وتأكيدًا على أن أمن الخليج ليس شأنًا خليجيًا فقط، بل شأن عربي وإسلامي عام.

في لحظة تاريخية كهذه، لم يعد الصمت خيارًا، بل جريمة صامتة ضد الأمة بأسرها. إذا بقي العرب يشاهدون الخليج يحترق وحده، فسيكون ذلك نهاية التضامن العربي الحقيقي، وسيُسجَّل في سجل التاريخ أن الأمة تخلت عن أغلى أجزائها في أحلك ساعاتها.

أمن الخليج ليس رفاهية خليجية، بل هو خط الدفاع الأول عن كرامة الأمة العربية جمعاء، وعن مستقبل أجيالنا في وجه الطمع الإقليمي والتدخل الأجنبي.

اليوم، أكثر من أي وقت مضى، ينتظر شعب الخليج موقفًا عربيًا يُعيد للكلمة معناها، ويُثبت أن “الأخوة” ليست شعارًا فارغًا يُردد في المؤتمرات، بل فعل يُقاس في أوقات الاختبار الحقيقية.

فهل ستتحرك الأمة قبل فوات الأوان، أم ستترك الخليج يواجه العاصفة وحده… ليصبح غدًا هو التالي في قائمة الضحايا؟

الجواب ليس في بيانات الشجب، بل في أفعال الآن… أو في صمت يُديننا جميعًا إلى الأبد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى