بقلم السفير الصادق المقلي
بعد الاستماع إلى التسجيل الكامل لخطاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان، لا تبدو المشكلة في مجرد الدعوة إلى الحوار؛ فالدعوة إلى الحوار تظل، من حيث المبدأ، خطوة إيجابية يمكن البناء عليها.
لكن الاستماع إلى الخطاب كاملاً يكشف عن مجموعة من التقاطعات والتناقضات التي تجعل السؤال أكثر إلحاحًا:
هل نحن أمام مبادرة حقيقية لإنهاء الحرب، أم أمام حوار يجري بينما تستمر الحرب، وتظل شروطها ونتائجها المسبقة حاضرة على طاولة الحوار؟
فالخطاب يجمع في وقت واحد بين الحديث عن الحوار والسلام والاستقرار وعودة النازحين، وبين خطاب واضح عن استمرار الحرب إلى حين القضاء على الدعم السريع ومن يسانده.
وهنا تبدأ الربكة.
*أولاً: آلية وطنية مستقلة… ولكن من يختارها؟*
تحدث البرهان عن آلية وطنية مستقلة لإدارة الحوار، وقال إن مبادرة قُدمت إليه، دون أن يفصح عن تفاصيلها أو عن تركيبتها النهائية.
وهنا تبرز أسئلة لا يمكن تجاوزها إذا أريد لهذه الآلية أن تكون مقبولة بالفعل:
من يختار أعضاءها؟
ومن يمنحها التفويض؟
وما المعايير التي ستحدد عضويتها؟
وهل ستكون ممثلة للقوى السياسية والمدنية والمجتمعية كافة، بما فيها القوى الموجودة خارج مناطق سيطرة القوات المسلحة؟
وهل ستنشأ عن توافق وطني عريض بالفعل، أم ستتشكل بقرار من السلطة ثم يُطلب من الآخرين التعامل معها باعتبارها «مستقلة»؟
فالاستقلال لا يتحقق بمجرد إطلاق الصفة.
والآلية التي تدير حوارًا وطنيًا تحتاج إلى شرعية مصدرها طريقة تشكيلها، وتوافق المشاركين عليها، ووضوح تفويضها، وضمان استقلالها عن طرفي النزاع وعن السلطة القائمة.
ولذلك فإن تركيبة الآلية ليست تفصيلًا إجرائيًا، وإنما هي جزء من شرعية الحوار نفسه.
*ثانياً: من يتحدث باسم الشعب السوداني؟*
من أكثر النقاط التي تستحق التوقف عندها حديث البرهان عن اصطفاف الشعب السوداني خلف القوات المسلحة.
وإذا كان المقصود من ذلك مجرد الإشارة إلى مظاهر التأييد الشعبي للقوات المسلحة، فهذا شأن سياسي يمكن أن يكون محل نقاش وتقييم.
لكن إذا تحولت هذه العبارة إلى استنتاج بأن الشعب السوداني قد اختار استمرار الحرب، فهنا يصبح الأمر مختلفًا تمامًا.
فلا أحد يستطيع أن يتحدث نيابة عن الشعب السوداني في مسألة بهذه الخطورة، وأن يقول إن الشعب اختار الحرب أو اختار استمرارها، من دون آلية مستقلة ومحايدة لقياس الإرادة الشعبية.
لا يمكن تحويل الحشد السياسي أو المظاهرات أو التأييد الشعبي لأي طرف إلى تفويض شعبي مفتوح باستمرار الحرب.
فالإرادة الشعبية شيء، والتعبئة السياسية في ظروف الحرب شيء آخر.
والسؤال المشروع هو:
هل أُجري استفتاء أو استطلاع رأي مستقل ومحايد يسأل السودانيين: هل يريدون استمرار الحرب حتى الحسم العسكري، أم يريدون وقفها عبر تسوية سياسية؟
إذا لم يحدث ذلك، فلا يصح لأي طرف أن يتحدث باسم الشعب في تقرير مصير الحرب.
*ثالثاً: ضمانات أمنية للمشاركين… في ظل حرب مستمرة.*
وعد البرهان بتوفير الضمانات الأمنية لانسياب الحوار والمشاركين فيه.
وهو أمر مطلوب في أي عملية سياسية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه:
كيف يمكن توفير ضمانات أمنية حقيقية للمشاركين في حوار وطني بينما الحرب نفسها ما زالت مستمرة؟
والأهم:
هل تشمل هذه الضمانات المعارضين للحكومة؟
هل تشمل من ينتقدون القوات المسلحة؟
هل تشمل القوى التي لا تتفق مع رواية الحرب الرسمية؟
وهل يستطيع المشاركون القدوم إلى الخرطوم وهم يعلمون أن المعارك مستمرة في مناطق أخرى، وأن المسيّرات قادرة على الوصول إلى مناطق بعيدة عن خطوط القتال؟
إن ضمانات المشاركة لا ينبغي أن تكون مجرد تعهد سياسي؛ بل يجب أن تكون جزءًا من إجراءات بناء الثقة، وأن تكون قابلة للتنفيذ والتحقق.
*رابعاً: كيف يقود الحوار إلى السلام بينما تستمر الحرب؟*
يقول البرهان إن الحوار ينبغي أن يفضي إلى السلام والاستقرار، وعودة النازحين، وتوفير الخدمات للمواطنين.
وكل ذلك أهداف لا يختلف عليها سودانيان.
لكن المشكلة في العلاقة بين الوسيلة والغاية.
فإذا كان الهدف هو السلام والاستقرار وعودة النازحين، فكيف يمكن الوصول إلى هذه الغايات بينما يستمر خطاب الحرب، ويظل هدف القضاء على الدعم السريع ومن يسانده حاضرًا في الخطاب السياسي والعسكري؟
هل يمكن أن تكون الحرب والحوار مسارين متوازيين إلى النهاية؟
أم أن هناك لحظة يجب أن تنتقل فيها الدولة من منطق الحرب إلى منطق التسوية؟
هذه ليست دعوة إلى الاستسلام، ولا إلى تجاهل حق الدولة في حماية نفسها، وإنما هي محاولة لفهم كيف تنتهي الحرب فعليًا.
*خامساً: «الحصانة المؤقتة» و«الحريات المؤقتة»… هل يمكن بناء الثقة بالمؤقت؟*
كرر البرهان الحديث عن وقف الإجراءات والحصانات والحريات بصورة مؤقتة في سياق الحوار.
وهنا تظهر مشكلة سياسية وقانونية عميقة.
إذا كانت المعارضة ستُمنح حرية مؤقتة لكي تدخل الحوار، ثم تعود الإجراءات والملاحقات بمجرد انتهاء الحوار، فما الذي يجعل المعارض يثق في أن مشاركته لن تتحول إلى مخاطرة شخصية وسياسية؟
هل يمكن أن نقول لشخص:
تعال شارك معنا بحرية، ولكن حريتك تنتهي بانتهاء الحوار؟
الحريات العامة ليست امتيازًا تمنحه السلطة للمواطن خلال فترة الحوار ثم تسترده بعد انتهائه.
أما إجراءات بناء الثقة، فيمكن أن تكون محددة ومؤقتة بطبيعتها؛ كوقف الملاحقات أو إطلاق سراح المحتجزين أو وقف الإجراءات المتعلقة بالمشاركة السياسية، إلى حين الوصول إلى تسوية سياسية شاملة.
وهنا ينبغي أن يكون الفرق واضحًا بين:
الحرية باعتبارها حقًا، وإجراء بناء الثقة باعتباره تدبيرًا مؤقتًا.
وإذا أرادت السلطة بالفعل استقطاب المعارضة إلى الحوار، فإنها تحتاج إلى ضمانات تجعل الدخول في الحوار آمنًا، لا إلى مجرد تعليق مؤقت للخطر.
*سادساً: الخرطوم… استعادة الأرض لا تعني نهاية الحرب*
تحدث البرهان عن أن العاصمة الخرطوم أصبحت آمنة ومستقرة، ودعا المواطنين إلى العودة.
ولا جدال في أن استعادة القوات المسلحة السيطرة على الخرطوم وإخراج قوات الدعم السريع منها يمثل تطورًا عسكريًا وسياسيًا مهمًا.
لكن السؤال هنا ليس: من يسيطر على الأرض؟
بل:
ماذا نعني بالأمن والاستقرار اللذين يسمحان بدعوة ملايين النازحين والمهجرين إلى العودة؟
فاستعادة العاصمة لا تعني بالضرورة انتهاء الحرب، كما أن خروج القوات المعادية من شوارع المدينة لا يعني تلقائيًا تحقق الأمن المستدام.
والتجربة نفسها تقدم الدليل.
ففي يوم الاحتفال باستعادة الخرطوم وخروج الدعم السريع منها، لم تكن العاصمة بمنأى عن الحرب؛ إذ تعرض القصر الجمهوري للقصف، وأُعلن عن مقتل عشرة من العاملين في التلفزيون القومي والتوجيه المعنوي.
وهذا لا يعني أن حادثة مقتلهم وقعت في يوم خطاب البرهان الأخير؛ وإنما أهميتها أنها وقعت في يوم الاحتفال نفسه باستعادة العاصمة، بما يؤكد أن السيطرة العسكرية على المدينة لم تكن إعلانًا لنهاية الأعمال العدائية.
ثم استمرت الهجمات بعد ذلك، وأصبحت المسيّرات قادرة على الوصول إلى أم درمان وولاية نهر النيل ومناطق أخرى.
وهنا ينبغي التمييز بين مفهومين مختلفين:
استعادة الأرض شيء، وإنهاء الحرب شيء آخر.
والسيطرة الجغرافية شيء، والأمن المستدام شيء آخر.
فالمسيّرات قد لا تمنح الطرف المهاجم القدرة على السيطرة على الأرض أو الاحتفاظ بها، لكنها تمنحه قدرة على ضرب أهداف داخل المناطق التي يسيطر عليها خصمه، وإرباك الحياة المدنية والعسكرية، وإيقاع خسائر بشرية ومادية، وإبقاء السكان والمؤسسات تحت تهديد مستمر.
ومن ثم فإن عدم قدرة المسيّرات على احتلال الأرض لا يعني عدم قدرتها على التأثير في مسار الحرب.
بل إن انتشار هذا النوع من السلاح يمكن أن يؤدي إلى إطالة أمد النزاع، ورفع كلفته، وتقليص فرص الحسم العسكري الكامل.
ولذلك فإن عبارة أن الخرطوم «آمنة ومستقرة» تحتاج إلى قراءة دقيقة.
إذا كان المقصود أن القوات المسلحة استعادت السيطرة البرية على العاصمة، فهذا توصيف عسكري يمكن فهمه.
أما إذا كان المقصود أن العاصمة خرجت من دائرة الحرب وأصبحت آمنة بصورة تسمح بعودة المواطنين دون مخاطر جدية، فهذا استنتاج مختلف تمامًا.
فالأمن لا يقاس فقط بمن يسيطر على الأرض، وإنما أيضًا بقدرة الدولة على حماية السكان والمنشآت من الهجمات، وبمدى توقف الأعمال العدائية.
والأمر لا يتعلق بالخرطوم وحدها.
فاستمرار ضرب أم درمان ونهر النيل والجزيرة والأبيض وكوستي وسنجة والبحر الأحمر وغيرها من المناطق يؤكد أن استعادة العاصمة لم تُنهِ القدرة على نقل الحرب إلى مناطق أخرى.
لا يكفي أن تستعيد الدولة الأرض حتى تستعيد الأمن، ولا يكفي أن يخرج الخصم من المدينة حتى تنتهي الحرب.
والعودة الآمنة للنازحين تحتاج إلى أكثر من السيطرة العسكرية؛ تحتاج إلى وقف فعلي ومستدام للأعمال العدائية، وضمانات أمنية، وعودة الخدمات الأساسية، وبيئة تجعل العودة قابلة للاستمرار.
*سابعاً: شاهد على عصر الحروب السودانية… فهل يكفي الحسم العسكري؟*
هنا نصل إلى واحدة من أهم نقاط الخطاب.
فالبرهان ليس مراقبًا خارجيًا لتاريخ الحروب السودانية.
لقد شارك الجيش في مواجهة حركات تمرد عديدة، كما قاتلت قوات الدعم السريع في مراحل سابقة إلى جانب القوات المسلحة، قبل أن تتحول إلى الخصم الرئيسي في الحرب الحالية.
ومع ذلك، لم تستطع العمليات العسكرية على مدى عقود أن تنهي جميع حركات التمرد بصورة نهائية.
حتى بعد سقوط نظام الإنقاذ، بقيت جيوب للصراع في كاودا وجبل مرة والنيل الأزرق وغيرها، وانتهت مراحل كثيرة من هذه الصراعات إلى التفاوض والاتفاقات السياسية.
وكانت معظم تلك الحركات تعتمد على أسلحة تقليدية وقدرات عسكرية أقل بكثير من طبيعة الحرب الحالية.
أما الحرب الراهنة فتختلف جذريًا.
فالدعم السريع يمتلك قدرات كبيرة في استخدام المسيّرات، وينتشر جغرافيًا على نطاق واسع، وله امتدادات سياسية واجتماعية، فضلًا عن عوامل الدعم اللوجستي والسياسي الإقليمي.
ومن ثم فإن الحرب الحالية ليست مجرد نسخة أكبر من التمردات السابقة.
لقد تغيرت أدوات الحرب، وخريطة السيطرة، والبنية الاجتماعية والسياسية للنزاع، وامتداداته الإقليمية.
لذلك فإن الرهان على أن الحسم العسكري سيأتي تلقائيًا لمجرد استعادة بعض المناطق الكبرى قد يكون رهانًا عالي الكلفة.
وكلما طال أمد الحرب، ارتفعت كلفتها البشرية والمادية، واتسعت آثارها الجغرافية والاجتماعية، وأصبح الوصول إلى تسوية سياسية أكثر إلحاحًا.
*ثامناً: السلام في خطاب البرهان… التفاوض أم الاستسلام أولاً؟*
أما عن السلام، فحدث ولا حرج.
ونحمد للبرهان، من حيث المبدأ، أنه أطلق دعوة يمكن نقدها قبل أن تبدأ؛ لأن أي مبادرة حقيقية للسلام ينبغي أن تقبل النقد.
لكن حديثه عن السلام لم يغادر، في جوهره، محطة خارطة الطريق الحكومية، بما في ذلك الشرط المسبق المتعلق بانسحاب الدعم السريع ووضع السلاح قبل الدخول في عملية التفاوض.
وهنا ينبغي التفريق بدقة بين أمرين:
أن يكون نزع السلاح، وإعادة الانتشار، وإعادة الدمج والتسريح جزءًا من اتفاق السلام ومخرجات العملية السياسية.
وبين أن يُطلب من الطرف الآخر أن ينسحب ويسلم سلاحه أولًا، ثم يبدأ التفاوض.
الأول عملية سلام.
أما الثاني فيمكن للطرف الآخر أن يفسره باعتباره طلبًا للاستسلام قبل بدء العملية السياسية، وهو ما يفسر رفضه.
إذن السؤال ليس:
هل ينبغي نزع السلاح؟
بل:
متى وكيف وتحت أي ضمانات وشروط يتم نزع السلاح؟
وهذا هو جوهر أي عملية سلام حقيقية.
كما أن خارطة الطريق الحكومية تتقاطع، في بعض عناصرها، مع الرؤية الأفريقية والمبادرة الرباعية، لكن ترتيب الخطوات يظل جوهريًا.
فالرؤى الإقليمية والدولية المطروحة لإنهاء الأزمة تنطلق من وقف أو هدنة، ثم عملية سياسية سودانية شاملة بملكية سودانية، ومشاورات واسعة لتشكيل حكومة مستقلة وذات قاعدة عريضة، واستعادة النظام الدستوري ومسار التحول الديمقراطي.
وهنا تظهر القضية الأساسية:
إنهاء الحرب والانقلاب ليسا قضيتين منفصلتين عن الأزمة السودانية، وإنما هما من جذور الأزمة التي أنتجت حالة الانقسام والاحتقان والتشظي السياسي التي تحدث عنها البرهان نفسه.
*تاسعاً: «إكمال مؤسسات الدولة»… أم إضافة مجلس تشريعي إلى واقع الأمر الواقع؟*
تحدث البرهان عن إكمال مؤسسات الدولة، وربط ذلك بتشكيل مجلس تشريعي، كما تحدث عن مكافأة من وقفوا إلى جانب القوات المسلحة بالمشاركة في استكمال مؤسسات الحكم.
وهنا تبرز عدة أسئلة.
هل أزمة الدولة السودانية هي فعلًا مجرد غياب المجلس التشريعي؟
فمؤسسات الدولة لا تقتصر على مجلس تشريعي، وإنما تشمل السلطة التنفيذية، ومجلس السيادة، وحكام الولايات، وسائر المؤسسات، والأهم: الأساس الدستوري الذي تستند إليه هذه المؤسسات.
ومن ثم فإن إضافة مجلس تشريعي إلى المؤسسات القائمة لا تعالج تلقائيًا الأزمة الدستورية والسياسية التي أصابت بنية الحكم منذ 25 أكتوبر 2021.
والسؤال الأسبق هو:
ما الأساس الدستوري الذي سيقوم عليه هذا المجلس؟
فإذا كان المقصود هو الوثيقة الدستورية لعام 2019، فإن استمرارها بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021 يظل محل خلاف سياسي ودستوري كبير، وترى قوى سياسية ومدنية وثورية عديدة أن الانقلاب عليها أجهض الأساس السياسي والدستوري الذي قامت عليه المؤسسات الانتقالية.
ومن هنا فإن الحديث عن «إكمال المؤسسات» دون معالجة سؤال الشرعية الدستورية قد يعني عمليًا:
إضافة مؤسسة جديدة إلى واقع سياسي قائم، بدل معالجة أصل الأزمة التي أنتجت هذا الواقع.
أما إذا كان المجلس التشريعي سيُكوَّن أساسًا على قاعدة مكافأة القوى التي وقفت مع القوات المسلحة، فإن الإشكال يصبح أكبر.
فالمؤسسة التشريعية في الدولة ليست جائزة سياسية لأطراف الحرب.
إنها مؤسسة تمثيلية يفترض أن تعبر عن الإرادة العامة وفق ترتيبات دستورية واضحة. و لا ينبغي أن نكرر تجربة امتحانات الشهادة السودانية.. و التى تمت علي اساس جغرافي.
أما التعامل الدولي والإقليمي مع مؤسسات السلطة القائمة باعتبارها سلطات أمر واقع de facto فلا ينبغي الخلط بينه وبين اعتراف قانوني أو سياسي كامل بشرعية انتقالية مستقرة de jure.
وبذلك فإن إضافة مجلس تشريعي، وحدها، لا تغير جوهر واقع الأمر الواقع، وإنما قد تضيف مؤسسة تشريعية إليه.
*عاشراً: مكافأة من وقفوا مع الجيش… وماذا عن من شاركوا في الحوار؟*
هنا تتضح إحدى أهم التقاطعات في الخطاب.
فالبرهان يتحدث عن مكافأة القوى التي وقفت مع القوات المسلحة بإشراكها في إكمال مؤسسات الحكم.
لكن ماذا عن القوى التي ستشارك في الحوار وهي ليست ضمن هذا المعسكر؟
هل ستكون مشاركتها في الحوار طريقًا إلى الشراكة؟
أم أن المقاعد السياسية قد حُسمت مسبقًا لمن وقفوا مع الجيش؟
إذا كان الحوار يهدف إلى صناعة توافق وطني، فلا يمكن أن يبدأ بتوزيع مكافآت سياسية على أساس الاصطفاف في الحرب.
وإلا فإن الحوار يصبح أقرب إلى إعادة توزيع السلطة بين أطراف معسكر واحد منه إلى عملية مصالحة وطنية.
وهنا يعود السؤال الذي طرحناه في الحلقة الأولى:
إذا كان المطلوب من المعارضة أن تأتي إلى الحوار، فما الذي ينتظرها بعد الحوار؟
و زهل تدخل باعتبارها شريكًا سياسيًا كامل الحقوق؟
أم تدخل باعتبارها طرفًا مطلوبًا منه إثبات حسن النية، بينما تُكافأ الأطراف التي شاركت في الحرب؟
*حادي عشر: إذا كان هدف الحوار السلام… فكيف ينتهي الحوار إلى «فناء» الخصم؟*
هناك تناقض يصعب تجاهله.
فالبرهان يتحدث عن الحوار باعتباره طريقًا إلى السلام والاستقرار وعودة النازحين وتوفير الخدمات.
لكن الخطاب نفسه يحمل في الوقت ذاته لغة تصعيدية تتحدث عن استمرار الحرب حتى «فناء الدعم السريع ومن يسانده».
وهنا يبدو كأن الحوار يفترض أن يكون قادرًا على إنتاج السلام خارج قاعة الحوار، بينما تظل الحرب نفسها مستمرة داخل الميدان.
لكن الحوار ليس عصا موسى.
وليس زرًا يُضغط عليه داخل قاعة الاجتماعات فتتوقف الحرب خارجها.
إذا كانت الحرب مستمرة، فإن المتحاورين يحتاجون إلى معالجة الحرب نفسها، لا الحديث عن السلام باعتباره نتيجة تلقائية لحوار سياسي منفصل عنها.
ولهذا فإن وقف إطلاق النار يجب ألا يكون مجرد مخرج محتمل للحوار؛ بل يجب أن يكون أحد أهم إجراءات بناء الثقة التي تهيئ للحوار.
*ثاني عشر: من الآلية الوطنية إلى الوساطة الأكثر قدرة على بناء الثقة*.
في تقديري، هنا تحديدًا ينبغي إعادة النظر في فكرة الآلية الوطنية المقترحة.
ليس لأن السودان يفتقر إلى الكفاءات الوطنية، وإنما لأن التوافق على شخصيات الآلية نفسها قد يصبح أول معركة سياسية قبل أن يبدأ الحوار.
ولهذا قد يكون من الأفضل أن يكون هناك مُيسّر إقليمي مقبول، ويفضل أن يكون الاتحاد الأفريقي، وبالتنسيق مع الإيقاد، مع الاستعانة بمن يمكن أن يحظى بقبول الأطراف.
فالوساطة الخارجية هنا لا تعني مصادرة الملكية السودانية للحوار.
العكس هو الصحيح.
يمكن أن يكون الحوار سوداني الملكية، أفريقي التيسير، إقليمي ودولي الضمان.
وهذا قد يكون أكثر واقعية من محاولة تشكيل آلية وطنية جديدة يصعب الاتفاق مسبقًا على أعضائها وتفويضها.
الي الحلقة الثالثة ان شاء الله.