مهند عوض محمود
يكاد النقاش حول الحوار السوداني ينحصر اليوم في سؤال استقلال لجنة التهيئة عن الدولة. وهو سؤال مشروع وضروري، لكنه ليس السؤال الأهم. فالسودان لا يحتاج إلى دولة تختفي من العملية السياسية، بقدر حاجته إلى دولة تعرف كيف تكون موجودة من دون أن تكون مالكة لكل شيء؛ توفر الحماية والضمانات والموارد، من دون أن تتحول هذه الوظائف إلى أدوات للسيطرة على المشاركين أو الأجندة أو النتائج.
هذه، في تقديري، واحدة من أهم القضايا التي سيختبرها أي حوار سوداني جاد في المرحلة المقبلة.
في بلد يعيش حرباً، وتضررت فيه مؤسسات الدولة، وتشتت ملايين السودانيين بين النزوح واللجوء، لا يمكن تصور حوار وطني واسع باعتباره نشاطاً أهلياً بسيطاً. من سيؤمّن حركة المشاركين؟ من سيضمن دخول المعارضين وخروجهم؟ من سيحمي الاجتماعات؟ من سيعالج القيود القانونية التي قد تمنع بعض القوى من العودة أو المشاركة؟ ومن سيتحمل الكلفة اللوجستية لعملية تريد الوصول إلى السودانيين في مناطق مختلفة؟
الإجابة الواقعية هي: الدولة.. لكن الإجابة المؤسسية يجب أن تضيف فوراً: الدولة تفعل ذلك كله، ثم تقف عند حدودها.. هنا يقع الفرق بين أن تكون الدولة ضامناً للحوار وأن تصبح مالكاً له.
الدولة الضامنة توفر القانون والحماية وحرية الحركة والتسهيلات والموارد اللازمة، لكنها لا تقرر من يشارك ومن يُستبعد، ولا تكتب الأجندة، ولا تحدد السقف السياسي، ولا تفرض النتائج.
أما دولة الطرف فتقدم التسهيلات ثم تعتبرها سنداً للوصاية، وتمول ثم تطلب ثمناً سياسياً، وتحمي الاجتماع ثم تريد أن تحدد من يستحق الحماية ومن لا يستحقها.
وأعتقد أن تجربة لجنة التهيئة للحوار السوداني–السوداني، رغم أنها لا تزال في بدايتها، تقدم حتى الآن نموذجاً عملياً لهذا الفصل بين دور الدولة وملكية العملية السياسية. فقد ظل دور الدولة محصوراً في توفير الضمانات والتسهيلات اللوجستية اللازمة، دون تدخل في تكوين اللجنة، أو تحديد القوى التي تتواصل معها، أو رسم أجندة الحوار، أو تقرير مخرجاته. وأعتقد أن هذا النهج يمثل نموذج الدولة الضامنة لا المالكة، وهو في الأساس أحد المرتكزات التي بُني عليها تكوين اللجنة وطبيعة مهمتها منذ البداية.
ولهذا فإن مسألة تمويل الحوار تحتاج إلى قدر من التوضيح. فالدولة التزمت بتحمل كلفة عملية وطنية واسعة، مع الالتزام التام بالحدود المؤسسية التي تفصل بوضوح بين من يوفر الموارد ومن يملك القرار.
وهذا ليس مفهوماً غريباً على عمل الدولة. فالدولة تموّل القضاء، لكنها لا تملك قرار القاضي؛ وتموّل الجامعات، لكنها لا تملي على الأستاذ الجامعي ما يقول أو يدرّس؛ وتموّل الانتخابات، لكنها لا يفترض أن تحدد للناخب ماذا يختار. وبالمبدأ نفسه، فإن تحمّل الدولة تكلفة الحوار وتوفيرها للتسهيلات والضمانات لا يمنحها حق امتلاك الحوار أو التحكم في أجندته ومخرجاته.
ومن المهم كذلك أن الدولة أقرت استعدادها لتوفير التسهيلات والضمانات نفسها لمعارضيها، ما داموا سيدخلون العملية بوسائل سلمية. فهذه التسهيلات ليست مكافأة للمؤيدين، وإنما جزء من مسؤولية الدولة في تمكين مختلف القوى من المشاركة في حوار وطني آمن ومفتوح.
وهنا تأتي أهمية الضمانات القانونية.. فالقيمة الحقيقية لأي ضمان لا تظهر عندما يستفيد منه المؤيدون، وإنما عندما يستطيع معارض شرس أن يدخل البلاد، ويجلس في قاعة الحوار، وينتقد السلطة علناً، ثم يغادر من دون أن تتحول مشاركته السياسية إلى وسيلة للانتقام.
عندها فقط يصبح الحديث عن الضمانات أكثر من نص قانوني؛ يصبح ترجمة عملية لفكرة الدولة الضامنة التي تفتح المجال السياسي ولا تحتكره.
ومن هنا أيضاً يجب أن نعيد النظر في معنى استقلال الحوار. الاستقلال لا يعني أن تنقطع العملية عن الدولة أو تتحول إلى جزيرة منفصلة عنها. الاستقلال الحقيقي يعني أن تكون العلاقة بينهما محددة الوظائف والحدود.
الدولة مسؤولة عن البيئة، لكن السودانيين مسؤولون عن السياسة.. توفر الدولة الأمان، لكن المشاركين يحددون الأجندة.. تسهل الدولة الوصول، لكن لا تختار من يصل.. توفر الدولة الاحتياجات اللوجستية، لكن لا تشتري بها حق التدخل في المخرجات.
ومن المهم هنا التمييز بين الدولة والحكومة. فالدولة بمؤسساتها ومواردها هي ملك لكل السودانيين، بينما الحكومة هي الجهة التي تدير هذه المؤسسات في فترة محددة. وعندما تستخدم الدولة مواردها لتسهيل حوار وطني، فإن ذلك لا يعني أن الحكومة تملك هذا الحوار أو يحق لها التحكم في أجندته ومخرجاته.
وفي المقابل، فإن مسؤولية لجنة التهيئة تتمثل في الحفاظ على هذا الفصل واضحاً في الممارسة، بحيث تبقى قراراتها واتصالاتها ومنهج عملها مستقلة، ومفتوحة على مختلف القوى والمكونات السودانية، بما فيها الأطراف المتحفظة أو الرافضة للمبادرة.
وينطبق المبدأ نفسه على المجتمع الدولي؛ فدوره يظل داعماً وميسراً ومكملاً للجهد السوداني، من دون أن يحل محل السودانيين في تصميم العملية أو امتلاكها. تستطيع الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي ودول الجوار أن تساعد، وأن توفر الخبرة، وأن تفتح القنوات، وأن تدعم الوصول إلى الأطراف التي يصعب الوصول إليها، لكن ملكية العملية وأجندتها ونتائجها يجب أن تبقى سودانية.
وبهذا المعنى، يصبح الحوار تطبيقاً عملياً لنموذج الدولة الضامنة لا المالكة، كما يؤكد في الوقت نفسه الطبيعة المستقلة للجنة التهيئة ودورها المحدد في فتح الطريق أمام حوار يملكه السودانيون أنفسهم.
السودان يحتاج إلى دولة حاضرة وقادرة على أداء وظائفها الأساسية في الحماية، وإنفاذ القانون، وتوفير الضمانات والتسهيلات اللازمة للعملية السياسية، وفي الوقت نفسه تحافظ على المسافة التي تضمن استقلال الحوار وملكيته السودانية. فالقوة هنا لا تعني السيطرة على العملية، كما أن الاستقلال لا يعني غياب الدولة عنها.
وهذا هو النموذج الذي ينبغي تثبيته والبناء عليه: دولة تؤدي وظيفتها وتعرف حدودها؛ تحمي ولا تحتكر، تموّل ولا تملك، تضمن ولا تملي.
وإذا رسّخ الحوار السوداني هذه القاعدة، فقد يكون قد أنجز شيئاً أكبر من جمع المختلفين حول طاولة واحدة؛ فقد يكون قد وضع أساساً عملياً لعلاقة أكثر وضوحاً ونضجاً بين الدولة والمجتمع، وبين الدعم والملكية، وبين التسهيل والقرار.