رأي

الحلقة الثانية- العودة إلى سنار (١)

*ألسنة وأقلام*
*يوميات عائد إلي الخرطوم*
*بابكر إسماعيل*
٢٧ / ٩ / ٢٠٢٦

وصلنا إلي من المطار إلى أركويت ووجدت الشقة مضاءة بالطاقة الشمسية ويحرصون على إطفاء الأنوار ليعمل المكيف المائي بكفاءة عالية.. ولم تتعود عيناي على الظلام فخرقتُ الكود غير المكتوب
استيقظت باكراً وحزمت أمتعتي استعداداً للسفر إلى سنار الحبيبة ..
طلب لي مضيفي سيارة أجرة عبر تطبيق ترحال إلى الميناء البري وهي رحلة تستغرق حوالي ١٥ دقيقة أقلتنا سيارة هونداي آكسنت بيضاء (أجرة السائق كانت ٢١ ألف وخمسمئة جنيه وتساوي حوالي ثلاثة دولارات بسعر اليوم .. ونفس هذا المبلغ كان يساوي عند سقوط نظام البشير ٤٣٠ دولاراً).
سرّني في الطريق أن عادت منطقة السوق المركزي إلى سابق ازدحامها .. وكذا جنوب الصحافات .. ولا تكاد ترى مبنيً مدمراً أو متأثراً بدمار الحرب .. وكأنك يا دقلو ما غزيت ..

فقد عادت الخرطوم بعزة وإباء ..
وتصميم وشمم .. عادت لأهلها قوة واقتداراً .. والتحية للباسل جيشنا جيش الهناء ومن ورائه كل الشعب السوداني عدا الخونة والمارقين من عبدة الدينار والدرهم والقطيفة …

تذكرة البص السفري إلى مدينة سنار ب٧٧ ألف جنيه (تعادل ١٠ دولارات وكانت تفوق الألف وخمسمائة دولار عند سقوط نظام البشير).

تبدو المباني حول الميناء البرّي ي بحالة جيدة ولا توجد فيها آثار دمار .. عدا عن تحولت مكاتب البصات السفرية إلى طاولات في الهواء الطلق في حوش الميناء البري ..
ومن محاسن الحرب كذلك أن الدخول إلي الميناء البري صار مجانياً ..
وما زال عدد سماسرة التذاكر يفوق عدد الركاب وليت شرطة النظام العام ضبطت هؤلاء المتبطلين وفوجتهم إلى متحركات الكرامة المتقدمة في سهول كردفان بعد جرعة كافية من التدريب العسكري .. ليشاركوا في كنس تمرد مليشيا الجنجويد وتشييعها إلى مثواها الأخير ..
وبلادنا اليوم تهتز فرحاً بتحرير سودري وقد تهيأ جيشنا لدك آخر معاقل المليشيا بكردفان ومن ثَمّ تتوجّه جحافله لتحرير دارفور “المحمل” وأرض السلاطين والملوك .. ولا نامت أعين القحاطة …
وكما قال عبد الوهاب ابن الوردي “هدنة بتاعة فنلتك” يا بولص ..
رأيت بمحاذاة خط السكة حديد أكثر من مقبرة للسيارات … وقد شُقشفِت -فصارت هياكل حديدية ليس بها إطارات ولا مكائن ولا أبواب أو زجاج .. والله أسأل العوض النافع لأهلها وكله في ميزان سيئات عصابات دقلو من قبائل العطاوة وغيرها وقد دقّت ساعة الحساب ..

سارت بنا الحافلة على الطريق ..
نحو الجزيرة .. وقلبي يخفق ..
وتزداد دقاتو..
ويصدح محمد الأمين من مسجل البص عالياً برائعة محمد علي جبارة::

عهدى فيه وعهدو فيا
ريدى ليه وريدو ليا
أوصف فيه ويوصف فيا
نصبر كمان نصبر شويه
نشيل املنا نقابل اهلنا
يقولوا اهلاً خلاص قبلنا
يتم منانا يفرح أملنا
ونعيش برانا نعيش فى جنه
لا يقولو قالوا لا يقولوا قلنا

كأنما يوصف حالنا مع الوطن ..
وريدي ليهو وريدو ليّا ..
نصبر عليه كمان .. ونصبر شوية حتى يعود أبناؤه الذين هجروه ونعيش برانا .. نعيش في جنة.

مررنا بالكسمبر..وأضافوا للاسم على لافتتها فصارت “كسمبر الصمود” .. وإنه لصمود صادق يثير الإعجاب بها وبأخواتها من قرى شمال الجزيرة فتكينة الصمود وهلالية الفداء وغيرهم من مئات القرى التي دنستها أقدام سفلة العطاوة مسنودين بمجرمي تحالفي صمود “وهو صمود كذوب” وتأسيس “وهو تأسيس على قواعد الخيانة والتآمر” تلك التحالفات مع مليشيا اللصوص والتي شكّلها مرتزقة السياسة المارقين بدعم ورعاية من مشيخة الشر وشيطان العرب وبني صهيون .. كيدٌ تكاد تزول من هوله الجبال..

هذه القرى الوادعة الواقعة على طريق الخرطوم مدني اشتهرت بكرمها الفيّاض وتقديم الطعام والقرى لأبناء السبيل في شهر رمضان ..
حيث يعترضون المركبات على الطريق ليقدموا لهم ما جادت به أنفسهم من الموجود طعاماً وشراباً وضيافة لأبناء السبيل.

تصدّت هذه القرى ببسالة لعدوان مليشيا اللصوص ودافعوا عن قراهم وأعراضهم وأموالهم واصطفى الله كثيراً من رجالها وشبابها شهداء مصطفين أخياراً .. وروت دماؤهم الطاهرة أرض الجزيرة ..

وريدي ليهو وريدي ليّا ..
وريدي لجزيرة الخير يمتد فينا ..
ديناً على رقابنا ..
وسيعود السودان لنا ..
وتعود الجزيرة وارفة ناضحة بالخير لأبنائها والمستجيرين بهم
ودام عزّك يا وطن ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى