موفق عبدالرحمن يكتب
في جذور و أوراق :
عندما تشتعل الحروب ، تنهار الجدران أولاً و تسقط المؤسسات ويتبعثر الأرشيف ، وتصمت المسارح .
حينها قفز الى ذهني السؤال الجوهري الذي طَرَح نفسه وسط ركام الحالة السودانية آنذاك _ هل تموت الثقافة بموت مؤسساتها ؟
أم أن الأزمة هي المختبر الحقيقي الذي يعيد إنتاج الثقافة كفعل قيادي تنويري لا كفعل ترفي و ترفيهي فحسب ؟
١. المواجهة.. الثقافة في خط النار
لم يكن توقف و انهيار المؤسسات الثقافية في السودان في سنة الحرب الاولى و ما تلاها مجرد توقف للميزانيات وغياب ل هيكل الدولة الثقافي ، بل كان استهدافاً مباشراً لذاكرة الأمة ومقدراتها ووجدانها .
ومع ذلك _ برزت ظاهرة و بادرة قوية ، فحين غابت مؤسسات الدولة الثقافية الرسمية _ شخصت و حضرت مؤسسات المجتمع الثقافية بقوة _ حيث بدأت تتحول منصات النزوح
ومجموعات التواصل الرقمي وبيوت الإيواء إلى صالونات وملتقيات أدبية وثقافية ومراكز للمقاومة الرمزية والحضور الثقافي .
هذه المواجهة قالت و أثبتت أن الثقافة السودانية تمتلك صلابة داخلية مستمدة من إرث النفير المكون للشخصية السودانية ، حيث تحول المثقف من منتج للنصوص فحسب ، إلى حارس للوعي _
استطاع أن يحمي الهوية من التفتت وسط خطاب الكراهية المأزوم و لغة الحرب الكريهة .
٢. الاستمرارية.. لماذا صمدت الذات الثقافية السودانية ؟
في تقديري ان صمود الثقافة السودانية في وجه هذة الصدمة القوية ، لأنها لم تكن يوماً رهينة للمبنى ، بل هي ثقافة معنى .
ذلك لأنها مخزنة في الوجدان الجمعي وفي الحكايا ، وفي لحون غناءنا الجميل و في إيقاعات الدلوكة ، وفي أشعار الوطنية و الصمود التي يتناقلها الناس شفاهة .
ويمكنني القول في ذلك بأن غياب المؤسسة المركزية كشف عن وجه هذه التعددية الثقافية المذهلة في الولايات والمجتمعات المحلية _ والتي برزت وفرضت نفسها كبديل فاعل .
والثقافة هنا هي عصب اجتماعي يمنح الفرد شعوراً بالانتماء حين تضيق به الأرض .. وهي الكابح الذي يمنع الانهيار النفسي الكامل أمام بشاعة الحرب .
٣. عبقرية الشتات.. المبدع السوداني سفيراً للوعي
لم يكن خروج المبدعين السودانيين من بلادهم مجرد هجرة اضطرارية _ بل تحول إلى انتشار استراتيجي محمود للثقافة السودانية .
ففي كل مهجر _ تحول المبدعون إلى سفراء يحملون وجع الوطن وأمل العودة _ فعملوا على التعبير العفوي
وتدويل قضيتهم : ..
عبر المعارض التشكيلية والكلمة والحفلات والندوات التي جعلت من المأساة السودانية قضية إنسانية عالمية .
_ وتحول المبدع في المهاجر الجديدة إلى أرشيف حي يوثق الهوية ويحميها من الذوبان _ ليظل الحبل السري مشدوداً بقوة الحنين مع الداخل الجريح .
٤. الحضور الميداني.. مؤسسات المجتمع المدني تتصدى .
بينما صمتت المؤسسات الرسمية لبعض الوقت بفعل صدمة الحرب ، نهضت مؤسسات ومبادرات مجتمعية من قلب الركام لتؤدي دوراً قيادياً وتنويرياً جسوراً _ كُتب بمداد المبادأه و والمبادرة الوفيه و المسؤوله واحاول هنا ان اشير فقط ل بعض هذة المبادرات والتي من أبرزها:
_ دار فلاح لتطوير الأغنية الشعبية
ففي الوقت الذي انشغل فيه الناس بأسباب التأمين و محاولة التغلب على الأخطار نهضت هذة الدار من جديد و تصدت لدور قائد ورائد فهي
لم تكتفِ حينها بالحفاظ على الموروث الذي عملت عليه منذ تاسيسها ، بل جعلت من الأغنية الشعبية أداة للتماسك الوجداني وتعزيز القيم التي تجمع السودانيين _ مؤكدة أن صوت الشعب لا يُهزم ، فجابت ارجاء ام درمان تنشر الفرح و تغني في الطرقات بجميل الالحان الوطنية وبعطر الحقيبة الفائح .
_ جماعة إعمار المسارح السودانية: التي اجترحت جهود العمل على ترميم الذاكرة المسرحية وتفعيل الفنون في أقسى الظروف فكانت بداية التنادي بالمسرح القومي ب ام درمان ، إيماناً بأن _الخشبة_ هي المنصة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي ومواجهة قبح الحرب بجمال الفن _ فكانت المبادرة من أخوة كبار في كسبهم الفني جاءوا الى سوح المسرح و بدءوا شرارة العمل في نوفمبر من العام الماضي 2025 اذكر منهم الأستاذ عبدالله عبدالسلام و الاستاذ عبدالفتاح جقود والاستاذ الحلو عبدالله الحلو بمؤسسة الراائدة <إبحار> و فريقه الاستراتيجي والاستاذ عبدالباقي حسين والاستاذ الرائد عبدالباقي والاستاذ الشريف و الاستاذ توفيق و الاستاذ محمد المهدي الفادني والاستاذ محمد عبدالله موسى و الدكتور فيصل أحمد سعد والاستاذ حاتم امريكي و قائمة طويلة إمتدت الى ان انطلقت المبادرة و توالت الزيارات و تمت تسمية الكيان و قياداتة من بعد وصولاََ للأستاذ طارق البحر و الاستاذ عبدالرافع حسن بخيت _ والتحيه هنا مستحقة للجهود المحمودة التي قادت للاحتفال الباهي و الكبير بفعاليات اليوم العالمي للمسرح في الأيام الفائتة والمسارح السودانية تتأهب لتطلع بدور التنوير و الحضور الواعي .
مبادرات الإسناد الثقافي:
ونهضت في ذلك عشرات المجموعات الثقافية والأدبية والتشكيلية في مراكز الإيواء ، التي حولت الكتاب واللوحة إلى أدوات للدعم النفسي وإعادة تأهيل الوجدان المحطم _ واذكر هنا جهود إدارات الثقافة في الولايات التي شكلت الملاذ للنازحين في سوح الوطن الرحيبة في القضارف وكسلا والبحر الاحمر و نهرالنيل و الشمالية و النيل الأزرق وغيرها من الولايات .
٥. النهوض.. الثقافة كفعل استرداد .
إن إعادة بناء الوعي الثقافي بعد الدمار لا تعني مجرد ترميم المباني ، بل صياغة عقد اجتماعي جديد .
فالثقافة اليوم في السودان هي القائد الحقيقي في رحلة العودة إلى الذات _ وهي التي تضع خارطة الطريق عبر :
_ محاربة السيولة الأخلاقية ومنع انزلاق المجتمع نحو الكراهية .
_ توطين التنوير بالانتقال من نخبوية المركز إلى رحابة الهامش ، ليكون الوعي القادم مبنياً على التاكيد على الاعتراف الجهير بالتنوع .
ونتعشم قريباََ في عودة المنتديات الثقافية والتي تمثل نبض الحركة الثقافية في الخرطوم لتملأ مساءاتها بالجمال و الروعه فيعود منتدى راشد دياب و منتدى الساحة الخضراء و منتدى النادي العالمي و منتدى النجوم و منتدى الحروف و منتدى مركز عبدالكريم ميرغني و منتدى العمدة و منتدى الجمعه في شمبات و منتدى الاسطورة و منتدى مراسي الشوق و منتدى المها و .. وغيرها من المنتديات التي رسمت خارطة الجمال و الإبداع في سماء العاصمة الخرطوم .
الخاتمة :
إن الحالة السودانية تعلمنا أن المؤسسات قد تُهدم _ لكن
_الروح الثقافية_ هي طائر الفينيق الذي يخرج من الرماد .
وتعلمنا كذلك بأن الثقافة بمبدعيها في الداخل والخارج _ وبمؤسساتها المجتمعية الحية هي الحصن الذي لا يسقط وهي الجسر الذي سنعبر عليه حتماً نحو سودان الوعي و التسامح و جمال الثقافة الأخاذ .