رأي

التصنيف… وإعادة هندسة السياسة السودانية (2)

فيما أرى
عادل الباز
1
إذا كان الهدف الأول من قرار تصنيف الحركة الإسلامية هو الضغط على معسكر الجيش وإضعافه في لحظة حرب حرجة، فإن الهدف من هذا القرار يتجاوز الميدان العسكري إلى المجال السياسي، ويمتد أثره إلى إعادة تشكيل البيئة السياسية التي يعمل داخلها.
بمعنى آخر، فإن التصنيف لا يستهدف الحركة الإسلامية الآن بقدر ما يستهدف إعادة هندسة المشهد السياسي في السودان كله.فالقرارات من هذا النوع لا تغيّر فقط وضع وضع الحركة الاسلامية، بل تعيد رسم حدود السياسة نفسها داخل الدولة.فحين يُوضع تيار سياسي كامل ومؤثر تحت عنوان «الإرهاب»، يصبح من السهل استبعاده من أي عملية سياسية قادمة وهنا تكمن خطورة القرار، لأنه لا يستهدف حضور الحركة الإسلامية الآن فقط، بل يسعى لصياغة واقع آخر في المستقبل، مع واقع سياسي تتم صياغته من الخارج.
2
قرار تصنيف الحركة الإسلامية، في جوهره، لا يتعلق بالماضي، لا من حيث أسبابه ولا من حيث أهدافه. يعني أن القرار لا يتعلق بأي ممارسة للحركة في الماضي، إذ لا يشير إلى أي عمل إرهابي ارتكبته الحركة الإسلامية أو جناحها العسكري، وإنما السبب ـ بحسب منطوق القرار ـ أنهم «يستخدمون عنفًا غير مقيّد ضد المدنيين».
لماذا؟ بحسب القرار: «لتقويض الجهود الرامية إلى حل النزاع»، وأنهم «ساهموا في إعدامات جماعية لمدنيين».
أرأيتم هذا المستوى الركيك والمقرف من التلفيق؟! الذي يمارس العنف غير المقيد ضد المدنيين معلوم، والذي يدعمه معلوم، والذين ساهموا في الإبادة مثبتون ولا يحتاجون لمن يشير إليهم؛ فكل ذلك متوفر حتى في مضابط مجلس الأمن وتقارير مجلس حقوق الإنسان. فمن أين استلت أمريكا هذه التهم للحركة الإسلامية دون إثبات؟
لنترك ذلك الان فإنه حديث الماضي لا يفيد الآن وقد صدر القرار.
3
القرار المعني لا يستهدف حاضر ومستقبل الحركة الإسلامية فقط، بل الدولة نفسها. فالرسالة السياسية التي يحملها القرار واضحة: عزل الحركة عن المجال السياسي.
فحين تُصنَّف الحركة بمثل هذا التصنيف، فإن ذلك يخلق مناخًا من الحذر في التعامل معها سياسيًا، سواء على مستوى الدولة أو على مستوى الساحة السياسية عامة، خوفًا من العقوبات التي يمكن أن تطال المتعاملين معها، رغم أن القرار يخص الولايات المتحدة، وليس أي طرف داخلي أو إقليمي أو دولي آخر.
في الوقت نفسه، يمثل القرار رسالة تحذيرية للدولة كي لا تتعامل مع الحركة في اللحظة الحرجة الآن أو مستقبلًا، إذ إن ذلك قد يترتب عليه تداعيات قانونية وسياسية، ويلقي بظلاله على مؤسسات الدولة كلها.
ثم إن القرار يحاول عزل الحركة الإسلامية عن أي تسوية سياسية قادمة، وبذلك يسعى إلى إعادة ترتيب الخريطة السياسية في المستقبل وفق رؤية القوى التي تقف وراءه. فحين يُقصى تيار سياسي كبير، فإن ذلك لا يؤدي بالضرورة إلى استقرار سياسي، بل قد يؤدي إلى اختلال التوازن داخل الساحة السياسية.
فالتجارب في المنطقة كلها أثبتت أن إقصاء القوى السياسية بالقوة الخارجية لا يؤدي إلى بناء نظام مستقر، بل غالبًا ما يفتح الباب لدورات جديدة من الصراع.
4
لكن أخطر ما في الأمر ربما لا يتعلق فقط بالتوازنات السياسية، بل بالسردية الدولية للحرب نفسها. فمثل هذه القرارات تساهم في إعادة تعريف الصراع السوداني في الخطاب الدولي.فبدل أن يُنظر إلى الحرب باعتبارها مواجهة بين الدولة السودانية ومليشيا متمردة، يمكن إعادة تعريفها كمواجهة بين «قوى متطرفة» ومليشيا متمردة وقوى مدنية. وهذا التحول في السردية ليس تفصيلًا صغيرًا، بل قد تكون له تداعيات كبيرة على المواقف الدولية مستقبلاً.
فحين تتغير طريقة توصيف الصراع، تتغير معها طريقة التعامل الدولي معه.
5
ولذا فإن قرار التصنيف لا ينبغي قراءته كحدث قانوني معزول، بل كجزء من صراع أوسع على مستقبل الدولة السودانية نفسها وقرار تصنيف الحركة الاسلامية هو جزء من هذه المعركة الأوسع على شكل الدولة السودانية ومستقبل نظامها السياسي
السؤال الحقيقي لم يعد فقط: كيف ولماذا صُنِّفت الحركة الإسلامية؟ ومن صنفها؟ .
بل: ما هي الأبعاد الاستراتيجية لهذا القرار؟ وما موقف الدولة السودانية منه؟ وكيف سيؤثر القرار عليها؟ ثم كيف ستتعامل معه؟
ذلك هو السؤال الذي سيحدد مسار الأحداث في المرحلة القادمة
نواصل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى