رأي

التحول الرقمي بين التشرذم المؤسسي وغياب الرؤية الاستراتيجية

من زاوية اخري

بقلم محمد الحاج

يشهد قطاع الاتصالات والتحول الرقمي خلال السنوات الأخيرة حراكاً متسارعاً ومبادرات متعددة تهدف إلى تحديث البنية الرقمية وتطوير الخدمات الحكومية والمالية. ورغم أهمية هذه الجهود وما تعكسه من رغبة في مواكبة التحولات العالمية، إلا أن المتابع للمشهد يلحظ بوضوح حالة من التشرذم والتباعد بين المبادرات المختلفة، الأمر الذي يثير تساؤلات جوهرية حول مدى وجود رؤية وطنية متكاملة تحكم هذا المسار وتحدد أولوياته وغاياته بعيدة المدى.

إن أحد أبرز التحديات التي تواجه مشاريع التحول الرقمي يتمثل في التعامل معها باعتبارها مشاريع تقنية مستقلة، بينما حقيقتها أنها مشاريع بنية تحتية استراتيجية تتجاوز حدود التكنولوجيا إلى قضايا الحوكمة والسياسات العامة والإدارة المؤسسية والتكامل بين الجهات المختلفة. وعندما يغيب هذا الفهم، تصبح المشاريع الرقمية مجرد أنظمة أو منصات منفصلة تعمل بمعزل عن بعضها البعض، دون أن تسهم في بناء منظومة وطنية مترابطة قادرة على تحقيق الأهداف التنموية والاقتصادية المرجوة.

وتعيد المناقشات الجارية حول مشروع الهوية الرقمية الوطني وما يرتبط به من مبادرات إلى الأذهان تجارب سابقة أُطلقت بطموحات كبيرة، لكنها واجهت تحديات جوهرية حدّت من قدرتها على تحقيق الأثر المتوقع. ولم تكن المشكلة في تلك الحالات مرتبطة بفكرة المشروع أو بأهمية الأهداف المعلنة، وإنما بغياب بعض المقومات الأساسية التي تقوم عليها منظومات الهوية الرقمية الحديثة، وفي مقدمتها إطار الحوكمة الواضح، وآليات التكامل المؤسسي، وتحديد الأدوار والمسؤوليات، وبناء منظومة خدمات متكاملة تجعل الهوية الرقمية جزءاً من الحياة اليومية للمواطن والمؤسسات.

ومن المعروف عالمياً أن نجاح أي برنامج للتحول الرقمي يرتكز على ركيزتين أساسيتين: الهوية الرقمية الوطنية ومنظومة المدفوعات الوطنية. فهاتان الركيزتان تمثلان الأساس الذي تُبنى عليه الخدمات الحكومية الإلكترونية، والتجارة الرقمية، والخدمات المالية، ومنظومات التحقق والتوقيع الإلكتروني، فضلاً عن مختلف تطبيقات الاقتصاد الرقمي. وبالتالي فإن أي اختلال في تصميم أو إدارة هاتين المنظومتين ينعكس بصورة مباشرة على مجمل مشروع التحول الرقمي في الدولة.

لكن ما يبعث على القلق هو أن العديد من المبادرات الحالية لا تزال تعكس نهجاً يركز على إطلاق المشاريع والإعلان عنها أكثر من تركيزه على بناء الأسس المؤسسية والتشريعية والفنية التي تضمن نجاحها واستدامتها. وفي كثير من الأحيان يتم التعامل مع الإنجاز بوصفه إطلاق منصة جديدة أو تدشين خدمة إلكترونية، في حين أن المعيار الحقيقي للنجاح يتمثل في درجة التكامل بين الأنظمة، ومستوى التبني المجتمعي، وقدرة المنظومة على التوسع والتطور واستيعاب احتياجات المستقبل.

كما أن التشرذم في مراكز اتخاذ القرار وتعدد الجهات التي تقود مبادرات رقمية متشابهة أو متقاطعة يخلق بيئة غير صحية للتطوير المؤسسي. فبدلاً من توحيد الجهود ضمن إطار وطني جامع، تتجه بعض المؤسسات إلى العمل بصورة منفردة، مما يؤدي إلى ازدواجية الاستثمارات وتكرار الجهود وتضارب الأولويات. وتصبح النتيجة النهائية منظومة رقمية مجزأة تفتقد إلى معايير التشغيل البيني والتكامل المطلوب بين مكوناتها المختلفة.

وإذا استمر هذا النهج دون معالجة جذرية، فإن المستقبل قد يحمل تحديات أكثر تعقيداً. فكل مشروع رقمي يُنشأ خارج إطار وطني متكامل يضيف طبقة جديدة من التعقيد المؤسسي والتقني، ويجعل عمليات الدمج والتكامل المستقبلية أكثر صعوبة وأكثر تكلفة. كما أن غياب التنسيق الاستراتيجي قد يؤدي إلى إهدار موارد مالية وبشرية كبيرة دون تحقيق العائد التنموي المتوقع، وهو ما شهدته العديد من الدول التي اضطرت لاحقاً إلى إعادة هيكلة منظوماتها الرقمية بعد سنوات من العمل المتفرق.

الأخطر من ذلك أن فقدان الرؤية الشاملة يهدد بفقدان الثقة في مشاريع التحول الرقمي نفسها. فالمواطن والمستثمر لا يقيمان نجاح المبادرات من خلال عدد المشاريع المعلنة، وإنما من خلال جودة الخدمات وسهولة الوصول إليها وموثوقيتها وقدرتها على تلبية الاحتياجات الفعلية. وعندما تتكرر التجارب التي لا تحقق نتائج ملموسة، تتسع الفجوة بين التوقعات والواقع، وتتراجع مستويات الثقة والتبني المجتمعي.

لذلك فإن الحاجة اليوم ليست إلى إطلاق المزيد من المشاريع المنفصلة، بل إلى تبني منهج استراتيجي وطني شامل يعالج الاختلالات القائمة ويضع إطاراً واضحاً للأدوار والمسؤوليات والعلاقات المؤسسية بين مختلف الأطراف. كما يتطلب الأمر إشراك جميع أصحاب المصلحة من القطاع العام والقطاع الخاص والأوساط الأكاديمية والخبراء المتخصصين في مراحل التخطيط والتصميم قبل التنفيذ، بما يضمن الاستفادة من الخبرات المتراكمة والدروس المستفادة من التجارب السابقة.

إن التحول الرقمي ليس سباقاً لإطلاق المنصات أو الإعلان عن المبادرات، وإنما عملية مؤسسية طويلة الأمد تتطلب قيادة موحدة ورؤية مشتركة وحوكمة فعالة. وبدون ذلك ستظل الجهود متفرقة والنتائج محدودة، مهما تعددت المشاريع أو تعاظمت الاستثمارات. أما إذا نجحت الجهات المعنية في بناء توافق وطني حول رؤية استراتيجية متكاملة، فإن قطاع الاتصالات والتحول الرقمي يمكن أن يتحول إلى رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والإصلاح المؤسسي وتعزيز تنافسية الدولة في الاقتصاد الرقمي العالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى