د. ياسر محجوب الحسين
الزعامة الوطنية هي أكثر من مجرد منصب في قمة السلطة، فهي مسؤولية جسيمة تقتضي القدرة على قيادة الأمة بطرق تجمع بين الحكمة والتسامح والقدرة على التفاعل مع مختلف فئات الشعب. في هذا السياق، يطرح سؤال مهم: هل الجنرال عبد الفتاح البرهان، الذي يقود الجيش ومجلس السيادة الانتقالي، يمكن أن يعتبر زعيما وطنيا في هذا المعنى العميق للزعامة؟ أم أنه مجرد قائد عسكري في موقع في هرم سلطة انتقالية، يمكن أن يستبدل عندما تنتهي صلاحياته؟ للإجابة على هذا السؤال، يتطلب الأمر الغوص في المفاهيم المتعددة للزعامة وكيفية تفاعلها مع الواقع السياسي والتاريخي.
في أبسط معاني الزعامة الوطنية، يمكننا تقسيم القيادة إلى نوعين: الأول هو القيادة الأبوية، حيث يكون الزعيم بمثابة الأب الذي يتقبل أخطاء الجميع ويصبر عليهم مهما كانت الظروف. في هذا النموذج، لا يطرد الزعيم أبناءه، بل يتسامح معهم ويعمل على تهذيبهم وإصلاحهم. أما الثاني، فهو نموذج “الشقيق الأكبر”، حيث يكون الزعيم حازما مع مخالفيه حد التطرف والقسوة، ولا يتردد في اتخاذ قرارات قد تشمل الطرد أو الاستبعاد، خاصة إذا كان هذا المخالف يعتقد أنه يشكل تهديدا ما.
في ظل هذه المفاهيم، نجد أن القيادة العسكرية تتسم عادة بالقوة والتسلط، حيث يمكن لقائد الجيش أن يكون أكثر انغلاقا على ذاته ولا يتحلى دائما بالصبر الكافي تجاه معارضيه. وهذا بالضبط ما يطرح تساؤلا حقيقيا حول البرهان: هل هو زعيم وطني بمعنى الكلمة، أم مجرد شخص يمسك بمنصب وظيفي، يتنقل من مرحلة إلى أخرى دون تقديم رؤية وطنية شاملة؟
لقد درج الجنرال عبد الفتاح البرهان على انتقاد تيار سياسي بعينه باستمرار إما إرضاءً لجهات خارجية على وجه التحديد أو بسبب هواجس يتم تضخيمها له، لاسيما في أوقات الضغط. ووصف “تيار” مقصود لأنه يحمل في طياته الشمول والاتساع والعمق الشعبي والخبرة والدربة السياسية وعزله ياتي خصما على التماسك الوطني والعكس صحيحا. فهذا السلوك – العزل والانتقاد – لا يعكس بالضرورة نموذج الزعيم الوطني الذي يتسع صدره لجميع القوى ويبحث عن طرق للتوفيق بينها، بل يشير إلى ميل نحو القيادة التي تحكم بقبضة حديدية وتعتصر أية معارضة قد تواجهها.
الزعيم الوطني يمتلك صبرا استراتيجيا ورؤية بعيدة المدى. لا تأتي هذه الزعامة بالانقلابات أو الانتقادات الدائمة لتيار سياسي بعينه، لكنها تنشأ عندما تتوفر الظروف والمقومات التي تحول القائد إلى رمز يجسد آمال شعبه ويوحد طاقاته. المهاتما غاندي في الهند، الذي قاد حركة الاستقلال بالمقاومة السلمية، كان مثالا على هذه الزعامة، حيث وحد الهندوس والمسلمين والمختلفين تحت راية “الهند للهنود” دون عنف، مما أدى إلى استقلال 1947. كذلك نيلسون مانديلا، الذي بعد 27 عاما في السجن، خرج دون كراهية، وأسس “لجنة الحقيقة والمصالحة” في جنوب أفريقيا ليجمع بين السود والبيض بدلا من الانتقام، محولا بلدا على حافة الحرب الأهلية إلى نموذج للمصالحة الوطنية.
إن التوجه نحو الزعامة الوطنية يتطلب أكثر من مجرد إدارة شؤون الجيش أو إحكام السيطرة على السلطة. يحتاج الزعيم الوطني إلى أن يظهر قدرة على قيادة الأمة بكاملها نحو أهداف مشتركة، مع تعزيز قيم الديمقراطية والمشاركة. هل يمكن للبرهان أن ينتقل من قائد عسكري إلى زعيم وطني حقيقي؟ وهل هو مستعد للانتقال من موقعه الوظيفي إلى موقع الزعامة الوطنية، حيث تتطلب الظروف الالتزام بالحوار والتوافق بدلا من الحسم القاسي؟
التاريخ يعلمنا أن الزعماء العظماء، مثل ونستون تشرشل في الحرب العالمية الثانية، كانوا يعملون بجد هائل، لكنهم يعتمدون على فرق ويظهرون مرونة في مواجهة الواقع القاسي دون إنكار. الزعيم الوطني، كما أظهرت تجارب تاريخية متعددة، يجب أن يكون مرتبطا عضويا بشعبه. الزعيم ليس “فوق” الشعب، بل جزء منه، يفهم آلام الناس وطموحاتهم، ويبني مؤسسات لا شخصيات.
البرهان، كما يظهر، في مفترق طرق. إذا كان يسعى لأن يكون زعيما وطنيا بحق، يجب أن يراجع مفهومه للزعامة، وأن ينفتح على شريحة أوسع من الشعب، عوضا عن الانحصار في دائرة ضيقة من المؤيدين أو المنتفعين. الزعامة الوطنية لا تأتي بالسيف ولا بالبطش، بل في اللحظات التي تتطلب الحكمة والصبر، وهو ما قد يكون غائبا عن المشهد السياسي السوداني في الوقت الراهن.
مهم جداً: الزعامة الوطنية تعني كذلك أن يُلقَمَ آبي أحمدُ حجرا.
“اليقظة” ٠٦/٠٥/٢٠١٦