2. منهجية تقييم الأدلة ومسارات انتقال الأسلحة
تختلف الأدلة المتاحة في ملف انتقال الأسلحة وتسربها من قبضة مليشيا الدعم السريع لتنتشر في منطقة الساحل وحوض بحيرة تشاد من حيث طبيعتها ومصادرها ومستوى التحقق الذي تخضع له، كما تتباين قدرتها على إثبات وقائع محددة وانما تكشف عن أنماط واسعة لحركة الأسلحة والشبكات التي تديرها. ولذلك، يتبنى هذا التقرير منهجاً تحليلياً صارماً يقوم على تصنيف الأدلة وفق قوتها ووظيفتها، والتمييز الواضح بين ما هو مثبت بالأدلة المباشرة، وما تكشفه المؤشرات البنيوية عن مسارات وشبكات قائمة، وما تؤكده المعطيات المتراكمة بشأن المخاطر المستقبلية. ولا يعني هذا التمييز تخفيف قوة الاستنتاجات الواردة، بل على العكس، يضمن هذا المنهج أن يستند كل استنتاج إلى المستوى المناسب من الأدلة، بحيث تكون النتيجة النهائية أكثر صلابة وقابلية للتحقق منها والدفاع عنها. وبناءً على ذلك، يقسم التقرير الأدلة إلى ثلاث طبقات مترابطة: الوقائع الموثقة، وبنية الممرات والأسواق والشبكات، ثم تقدير المخاطر المستقبلية، باعتبارها مستويات متكاملة لبناء صورة دقيقة عن ديناميات انتقال الأسلحة وتسربها في الإقليم.
تتمثل الطبقة الأولى في الوقائع الموثقة، وهي الأدلة التي المستندة إلى توثيق عمليات نقل أو ضبط أو تعقب جرى إثباتها من خلال تحقيقات ميدانية موثوقة، أو تقارير فرق الخبراء، أو سجلات الضبط، أو أدوات التتبع الفني للأسلحة ومكوناتها. وتمثل هذه الطبقة الأساس الأكثر صلابة في بناء الاستنتاجات، لأنها تتيح مستوى تأكيد يتجاوز مجرد الاشتباه إلى واقعة مثبتة وقابلة للتحقق والتوثيق.
أما الطبقة الثانية فتتمثل في بنية الممرات والأسواق والشبكات اللوجستية، بما تشمله من طرق للتهريب، ونقاط عبور، ووسطاء، ومراكز تجميع وتوزيع، وأسعار، وأنماط للعرض والطلب. ولا توفر هذه العناصر، في كل حالة، دليلاً جنائياً مكتمل الأركان على انتقال سلاح بعينه، لكنها تكتسب أهميتها من قدرتها على الكشف عن اتجاهات الحركة، ومرونة شبكات التهريب، والروابط بين الأسواق المحلية والإقليمية، بما يسمح بفهم البيئة التي تجعل انتقال الأسلحة ممكناً ومستداماً.
وتتمثل الطبقة الثالثة في تقدير الخطر المستقبلي، أي مجموعة المؤشرات والتحذيرات والتقديرات الصادرة عن جهات رسمية وخبراء متخصصين، والتي تستند إلى تراكم المخزونات، واتساع الشبكات العابرة للحدود، وتوافر المقاتلين، وتطور قدرات الجماعات المسلحة. ولا ينبغي التعامل مع هذه التقديرات باعتبارها وقائع مكتملة، وإنما بوصفها مؤشرات تساعد على تحديد السيناريوهات المحتملة ومواطن الخطر التي تستدعي المتابعة والاحتراز.
وفي هذا الإطار، يمثل تقرير «الدوائر الجانبية» الصادر عن المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة أحد المصادر المهمة لفهم الطبقتين الأولى والثانية، إذ لا يكتفي بطرح قراءة نظرية للمشهد، وإنما يستند إلى بحث ميداني تم اجراؤه بين يناير/كانون الثاني وأكتوبر/تشرين الأول 2025، وشمل مقابلات مع مهربي أسلحة، ومقاتلين سابقين، ومنسقي قوافل، وعمال في مناجم الذهب داخل تشاد وليبيا. وتوفر هذه المعطيات نافذة مهمة تكشف البنية غير الرسمية التي تتحرك من خلالها الأسلحة والسلع والأفراد عبر الحدود. أما فيما يتعلق بترسانات الجماعات الجهادية في الساحل وحوض بحيرة تشاد، فتقدم منظمة تعقب الأسلحة في مناطق النزاع قاعدة تقنية أكثر دقة، من خلال توثيق وتتبع أسلحة ضبطتها جماعات مسلحة منذ عام 2015، بما يساعد على تحديد مصادر الأسلحة وأنماط وصولها واستخدامها عبر الزمن.
وتكتسب هذه المنهجية أهميتها الأساسية من ضرورة تجنب القفز من التحذير إلى الجزم. فالمبالغة في الاستنتاج لا تقوي الحجة، بل قد تقوض مصداقيتها وتمنح الأطراف المعنية فرصة للطعن في التقرير برمته استناداً إلى تجاوز واحد لحدود الأدلة. لذلك يميز التقرير بوضوح بين ما ثبت فعلاً في الساحل وجمهورية أفريقيا الوسطى، وما تشير إليه الأدلة باعتباره احتمالاً مرجحاً في حوض بحيرة تشاد. إن الفصل بين الموثق والمحتمل ليس مجرد تحفظ لغوي أو احتياط منهجي، بل هو شرط أساسي لبناء تحليل قابل للدفاع عنه والبناء عليه بما يوفر أساساً أكثر صلابة لفهم مخاطر تسرب الأسلحة، وتحديد مساراتها، وتقييم قدرة الشبكات المسلحة على استيعابها، ووضع استجابات واقعية قائمة على الأدلة بدلاً من الاستنتاجات غير المدعومة.