الأنهار العابرة للحدود (2 – 2)

د.إيناس محمد أحمد

يعيش أكثر من 40% من سكان العالم حول أحواض الأنهار و البحيرات التي تضم اثنين أو أكثر من البلدان.
تدخل البحيرات العذبة العابرة للحدود في نطاق الاتفاقيات الدولية للانهار العابرة للحدود ، ومن أشهر الاتفاقيات الثنائية الخاصة بالبحيرات اتفاقية مياه البحيرات العظمى في أمريكا الشمالية لعام 1978م .
هناك أسباب كثيرة تؤدي إلى تنفيذ اتفاقيات التعاون والتكامل في مجال المياه أهمها التنمية الاجتماعية والاقتصادية من خلال التنمية المستدامة وإدارة الموارد المتاحة بالإضافة إلى التعاون المشترك بين الدول في المعابر الحدودية ، كل هذة العوامل وغيرها تساعد في الابتعاد عن الآثار السلبية وحل المصالح المتقاطعة عبر تدابير قانونية جوهرها يقوم علي التخطيط المشترك وتقاسم المنافع .

المدهش أن أفريقيا أكثر القارات التي تشترك دولها في أنهار وبحيرات عذبة ، لكن بكل أسف لا تزال عدم القدرة على توظيف الوضع المائي وتطوير استخدماته مسيطر علي الموقف ، إلى جانب غياب قاعدة البيانات الحديثة ، لذا نجد أنه خلال 140عاماً عقدت الكثير من المعاهدات والاتفاقيات والبروتوكولات ، مع ملاحظة أن هذة الفترة كانت أغلب الدول الأفريقية تحت الاستعمار وكانت وسيلة النقل الرئيسية للنقل والسفر عبر الأنهار وكانت مصدراً لمصايد الأسماك لذلك كان الاعتماد عليها كبيراً.

من الأنهار الرئيسية في أفريقيا نهر النيل حيث يعد ثالث أنهار العالم من حيث المساحة بعد الأمازون والكونغو ، ويحكم نهر النيل عدد من الاتفاقيات التي وقعت على مر تاريخ طويل كانت تهدف إلى تنظيم الانتفاع بمياه النيل بدأت ببرتوكول 1891م بين بريطانيا وإيطاليا لحماية مياه نهر عطبرة ، ثم توالت عدد من الاتفاقيات أهمها:

1/اتفاقية أديس ابابا 1902م :
هذة الاتفاقية وقعت بين بريطانيا نيابة عن (مصر والسودان) وإثيوبيا في عهد الامبراطور “منليك الثاني” بغرض عدم إقامة أي منشأت على بحيرة تانا أو النيل الأزرق أو نهر السوباط التي من شأنها أن تعترض سريان نهر النيل، إلا بموافقة الحكومة البريطانية.

2/اتفاقية لندن 1906م وعقدت بين بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وتم فيها الاتفاق بعدم إقامة أي إنشاءات تؤثر علي سريان نهر النيل .

3/اتفاقية 1929م :
وهي من أهم الاتفاقيات المرتبطة بحوض نهر النيل وأبرمت بين بريطانيا – صفتها الاستعمارية – نيابة عن عدد من دول حوض النيل .

4/اتفاقية 1953م بين مصر وبريطانيا نيابة عن أوغندا بخصوص إنشاء خزان أوين عند بحيرة فيكتوريا ، وفي تلك الاتفاقية تتعهد بريطانيا نيابة عن أوغندا بإنشاء محطة كهرباء وتشغيلها بحيث لا يؤثر ذلك في خفض كمية المياه التي تصل مصر والسودان .

5/اتفاقية 1959م والتي تمت عقب استقلال السودان عن بريطانيا وتم فيها توزيع حصص المياة بين دول حوض النيل وبها تعديل لاتفاقية 1929م لمواكبة إنشاء السد العالي في مصر ، إلا أنه كان هناك اعتراض من دول المنبع .

6/اتفاقية مبادرة النيل عقدت في فبراير عام 1999م بمشاركة 10من دول حوض النيل في مدينة دار السلام بتنزانيا ، بهدف تعزيز التعاون الإقليمي المشترك وبناء التنمية المستدامة بينها بمثابة شراكة إقليمية تجمع دول حوض النيل وكانت تحت شعار (نهر واحد ، شعب واحد، رؤية واحدة).

7/اتفاقية عنتيبي 14مايو 2010م :
وهي اتفاقية كانت لاقتسام موارد نهر النيل وقعت عليها إثيوبيا وأوغندا وكينيا وتنزانيا ورواندا وبوروندي ولم توقع مصر والسودان والكونغو الديمقراطية، وتحفظت الدول الثلاث الأخيرة علي بنود الاتفاقية.

8/إعلان مبادئ سد النهضة 2015م :
وهي وثيقة وقعت في الخرطوم 23 مارس 2015م ، في قمة ثلاثية ضمت مصر والسودان وإثيوبيا بحضور ممثل البنك الدولي، وتضمنت الوثيقة 10 مبادئ تلتزم بها الدول الثلاث بشأن سد النهضة مشيرة إلى أن الغرض من سد النهضة هو توليد الطاقة والمساهمة في التنمية الاقتصادية وتوفر مصر والسودان وإثيوبيا البيانات والمعلومات اللازمة لإجراء الدراسات المشتركة للجنة الخبراء الوطنية وارساء مبدأ التعاون المشترك.

الملاحظ أنه رغم كل هذه الاتفاقيات منذ العهد الاستعماري إلى العهد الحديث إلا أن كل دول حوض النيل التزمت بعامل مشترك ثابت بينها في كل المنعطفات التي مرت يتمثل في مجموعة من المبادئ التي تنظم استغلال المياه الدولية المشتركة بين عدة دول أهمها :
1/مبدأ حسن الجوار وحسن النية .
2/عدم الأضرار بالغير و تنمية التعاون فيما بين الدول .
3/حق الدول المشتركة في حوض النهر الدولي في استخدام المياه بصورة عادلة ومقبولة من دول الحوض .
4/ التعويض عن أي اضرار بالغير .
5/ اللجوء إلى المفاوضات والوساطة قبل اللجوء إلى تدابير القانون الدولي في حل المنازعات المائية .

مع الوضع في الاعتبار انه لا يوجد حتي الآن نظام أو اتفاقية مقبولة من جميع دول العالم لتنظم استخدام مياه الأنهار الدولية .. و لذلك يخضع حوض النيل للقوانين والقواعد والأعراف والاتفاقيات التي تتعلق باستخدام الأنهار واداراتها مثل كل الأنهار الدولية وفق مبادئ وأعراف القانون الدولي ، لتكون مرجعية قانونية دولية لأي اتفاق حول نهر النيل.
وكذلك وفق قواعد اجتماع هلسنكي لجمعية القانون الدولي لعام 1966م بشأن استخدام مياه الأنهار الدولية ورغم أنها مبادئ توجيهية غير ملزمة إلا أنها أعدت قواعد تاريخية رائدة مهدت لصياغة اتفاقية الأمم المتحدة لقانون استخدام المجاري المائية الدولية في الاغراض غير المائية ، واتفاقية المحافظة على الموارد الطبيعية التي أقرتها منظمة الوحدة الأفريقية عام 1968م ، التي نصت على ضرورة أن تشارك الدول المشتركة في نهر دولي من خلال تكوين لجان مشتركة وفق لاحكام اتفاقية 1997م .
لذلك سعي المجتمع الدولي لوضع احكام دولية حاسمة تنظم مياه الأنهار العابرة للحدود وتتمثل فيما يلي:
1/المساواة القانونية بين الدول النهرية .
2/لكل دولة حق في السيادة علي قطاع النهر الواقع في إقليمها ، لكنها سيادة مقيدة باحترام حقوق بقية الدول .
3/الاقتسام العادل .
4/عدم الاضرار بالغير .
5/احترام الحقوق التاريخية وهي قاعدة عامة في القانون الدولي.
6/الالتزام بالتشاور عند تنفيذ مشروعات خاصة بالنهر تمس حقوق ومصالح الدول الاخري.

بالرغم من وجود الكثير من الاتفاقيات المائية لحوض النيل ، إلا أن كل هذه الاتفاقيات لم تكن ذات طبيعة ثنائية أو ثلاثية على أحسن تقدير ، فالنظام الاقليمي لحوض نهر النيل يعاني غياب الإطار القانوني المقبول الذي يحظي بقبول جميع الدول النيلية.
لذلك فإن الخلاف بين دول حوض النيل لن يحل إلا بالتعاون الوثيق وفق أعراف ومبادئ القانون الدولي واحترام حقوق الدول المشاطئة التاريخية ، والسعي لوضع إطار قانوني مؤسسي يحترم آراء وطموحات وتطلعات الجميع لتحسين أساليب استخدام المياه والحفاظ عليها ك ثروة قومية .

علي الصعيد الدولي ونتيجة للتطورات الجيوسياسية والأمنية الأخيرة جاءت قمة العلمين التي عقدت في 4 أكتوبر 2026م بمدينة العلمين الجديدة في مصر ، والتي ضمت السودان ومصر واريتريا والصومال، وأكدت الدول الأربع على احترام سيادة ووحدة وسلامة الأراضي، ودعم المؤسسات الوطنية ، ورفض التدخل في الشؤون الداخلية، وتعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والأمني ، بالإضافة إلى إقرار مبدأ سيادة الدول على البحر الأحمر واحترام القانون الدولي في الأنهار العابرة للحدود ، النقطة الاخيرة هي ما يهمنا هنا (احترام القانون الدولي فيما يتعلق بالانهار العابرة للحدود ) ورفض أي إجراءات أحادية تضر بالاستخدامات المائية لدولتي المصب (مصر والسودان) ، مشاركة السودان في هذة القمة تجعله لاعب أساسي وشريك فعلي استراتيجي في صياغة واقع جديد ومرحلة جديدة في حقوقه المائية ، فالسودان بعمقه الجغرافي وموقعه على البحر الأحمر واعتباره بوابة أفريقيا من جهة الشرق يجعله نقطة التقاء بين العالم العربي والقرن الأفريقي ، مما يجعل حقوقه التاريخية في نهر النيل أمرا لا جدال فيه و تجعله مشارك في معادلة جديدة تحكمها المصالح المشتركة وتبادل المنافع وحماية الأمن القومي لنهر النيل واحترام حقوق الجميع في ذات الوقت .
مع التأكيد علي أن حماية نهر النيل بأن لا يكون ساحة مفتوحة للتدخلات الخارجية أو كرت ضغط لتنفيذ أجندة خارجية في الإقليم، فهو مسؤولية كل الدول المشتركة في نهرالنيل ، إلى جانب العمل علي إعلاء مبدأ عدم الأضرار بالآخرين وتطبيقه علي أرض الواقع ، لأن الجميع يدرك أن الحرب القادمة ستكون على موارد المياه العذبة .

↑
Exit mobile version