أَرْنَبُ الكِنِيتَة يا حَرَامِيَّة، إِمْبَارِحْ وَيْنْ مْبَيِّتَة؟!
Mazin
عادل الرفاعي ابوالحسن
في كردفان، تُعرف بداية الخريف باسم (الرشاش)، و معها تتجدد رحلات القنيص التي توارثتها الأجيال. يخرج الصيادون صباحاً، تصحبهم كلاب الصيد و يحمل كل واحد منهم سَفْرُوقه، بحثاً عن الأرنب التي تتخفى بين الأعشاب و تفلت بسرعة من مطارديها. و لأهلنا البديرية تراث غني في القنيص، تختزن حكاياته و أمثاله خبرة أهل المكان و روحهم المرحة.
من القنيص إلى الطرفة الشعبية:
للقنيص مفرداته المحلية؛ فمن الناس من يقول (قانصين)، و آخرون يقولون (مقرقرجين) تعبيراً عن الخروج للصيد. و تُسمّى المنطقة التي تختارها الأرنب للاختباء و التخفي فيها (الكنيتة)، أما موضع نومها داخل الكنيتة فيُسمّى (القرموط). كما تختلف التسميات المحلية لذكر الأرنب؛ فيُسمّى في بعض المناطق (الكاو)، و في أخرى (الترير أبو غُرّة).
و يحتاج استخدام السفروق إلى سرعة و مهارة في التصويب. و قد لخّص أهل القنيص خبرتهم في المثل الشعبي:
(السفروق إن صاب سلاح، و إن خِتا عود و راح).
فإذا أخطأ الصياد الأرنب قال (حفا)، فيرد عليه أحد رفاقه مازحاً: (يحفحف إيديك، ما ضوقتا جرباها في البيت؟)
و (الجَرْبَة) أكلة تُحضّر من لحم الأرنب، يُضاف إليها غالباً الفول السوداني المحمّص و المسحون (الدكوة) في نهاية الطبخ. و هنا تكمن الطرفة: كيف تخطئ الأرنب و أنت تعرف طعم لحمها و لذّة جَرْبَتها في البيت؟!
لكن العبارة الأشهر في وصف الأرنب المراوغة هي:
(أرنب الكنيتة يا حرامية، إِمْبَارِحْ وَيْنْ مْبَيِّتَة؟)
إنه سؤال عتاب و حيرة؛ أين باتت الأرنب؟ و كيف أفلتت من مطارديها؟ فمع أن المنطقة التي توجد فيها الأرانب معروفة لأهل القنيص، فإن تحديد موضع مبيت أرنب بعينها ليس بالأمر السهل. و هكذا تترك الأرنب القنيص في حيرة، لا يعرف أين يجدها في اليوم التالي.
من تراث القنيص في كردفان إلى مبيت السياسيين:
وهنا يبرز المعنى السياسي: إذا كانت الأرنب، بما عُرف عنها من مراوغة و قدرة على التخفي، تحيّر القنيص في معرفة موضع مبيتها، فكيف بالسياسي الذي يُفترض أن تكون مواقفه و اتجاهاته أكثر وضوحاً؟ أليس من حق الناس أن يعرفوا (كنيتته السياسية): أين يقف، و ما الذي يتبناه، و إلى أين يتجه؟
في المشهد السياسي السوداني، تظهر أحياناً تصريحات و مواقف ملتبسة، تزيد الأسئلة بدلاً من أن تقدم إجابات. و في ظرف وطني بالغ الخطورة، لا تكون الكلمات مجرد تصريحات عابرة؛ فقد تؤثر في ثقة المواطنين و تماسك الجبهة الوطنية، و تزيد ارتباك المشهد بدلاً من توضيحه.
ليس المطلوب أن يتفق السياسيون في كل شيء؛ فتباين وجهات النظر و تعدد الاجتهادات جزء من الحياة السياسية، و تبادل الآراء يثري الحوار و يقود إلى تمحيص الأفكار و ترجيح الرأي السديد، وصولاً إلى السياسات الأنجع. لكن ثمة فرقاً بين تباين واضح في المواقف، و خطاب ملتبس يجعل الناس يتساءلون: ماذا يريد صاحبه؟ و أين يقف؟ و إلى أين يتجه؟
فالاختلاف في الرأي قد يكون مصدر قوة، أما غموض المواقف فيزرع الحيرة و يضعف الثقة. و ليس من حق السياسي أن يجعل موقفه لغزاً، أو أن يترك شعبه يتخبط في تخمين مبيته السياسي.
ليس كل سياسي رجل دولة:
المنصب لا يصنع رجل الدولة، و كثرة التصريحات لا تعني امتلاك الرؤية و الحكمة. رجل الدولة هو من يضع مصلحة الوطن فوق المصالح الشخصية و الحسابات الضيقة، و يزن كلماته و مواقفه بميزان أثرها في أمن البلاد و وحدتها و مستقبل أجيالها.
قد ينشغل السياسي بكسب جولة أو إرضاء أنصاره، أما رجل الدولة فينظر إلى ما وراء المكاسب الآنية، و يسأل نفسه: هل يخدم هذا الموقف السودان؟ هل يعزز التماسك أم يفاقم الانقسام؟ و هل يفتح طريقاً نحو الحل أم يزيد المشهد تعقيداً؟
و كلما اشتدت الظروف، ازدادت الحاجة إلى وضوح المواقف و انضباط التصريحات و اتساق الأقوال مع الأفعال. فالسودان الذي يواجه تحديات مصيرية لا يحتاج إلى مزيد من الغموض و المناورات، بل إلى خطاب مسؤول و رجال دولة يدركون أن المسؤولية ليست كلاماً يُقال، بل ممارسة تُجسَّد و مواقف تُترجم إلى أفعال.
يا سياسيي السودان، أين تبيتون سياسياً؟
يعود السؤال الشعبي من ميدان القنيص إلى ميدان السياسة: (أرنب الكنيتة يا حرامية، إِمْبَارِحْ وَيْنْ مْبَيِّتَة؟)
و يصبح السؤال موجهاً إلى السياسيين: يا سياسيي السودان، أين تبيتون سياسياً؟ ما موقفكم الواضح؟ و إلى أين تقود تصريحاتكم و قراراتكم الوطن؟
فليس المطلوب من السياسي أن يتفق مع الجميع في كل شيء، بل أن يكون واضحاً في موقفه، مسؤولاً عن كلمته، و مدركاً أن تباين وجهات النظر و تبادل الآراء يثريان الحوار و يقودان إلى الرأي السديد و السياسات الأنجع التي تحقق المصلحة الوطنية.
و التاريخ يسجل، و الأجيال تحكم، و الحاضر و المستقبل يشهدان على ما يقدمه المسؤولون لوطنهم، لا على ما يقولونه فحسب.