بالأمس توقّع وزير المالية الدكتور جبريل إبراهيم آثارًا سالبة على الاقتصاد السوداني جراء الحرب الإسرائيلية–الأمريكية على إيران، وشُحّ وصول الإمدادات إلى البلاد. ما قاله السيد الوزير صحيح تمامًا، لكنه لا ينبغي أن يتوقف عند حدود التوقع. نحن بحاجة إلى لجنة طوارئ عاجلة، مهمتها دراسة التداعيات المحتملة لحرب الخليج، ليس فقط لمعرفة كيفية التعامل معها، بل لكيفية تحويل بعض هذه التداعيات إلى فرص إذا استثمرنا اللحظة الراهنة بذكاء.
سأحاول هنا طرح بعض الأفكار التي قد تساعد في إدارة ملف الأزمة بسياسات واقعية.
2
العبء الأكبر سيقع على المشتقات البترولية، إذ هي مرشحة لتصاعد جنوني في فترة وجيزة. بالأمس قفز خام برنت إلى 85 دولارًا للبرميل. إذا علمنا أن السودان يستورد حاليًا بين باخرتين إلى ثلاث بواخر شهريًا لتغطية الاستهلاك الداخلي، فإن تكلفة الثلاث بواخر قبل الحرب كانت في حدود 195 مليون دولار (بواقع 65 مليون دولار للباخرة)، لكن الوضع الآن تغيّر.
عند سعر 85 دولارًا للبرميل، ترتفع تكلفة الباخرة الواحدة إلى نحو 80.75 مليون دولار تقريبًا، بمتوسط 950 ألف برميل، ما يعني أن تكلفة ثلاث بواخر شهريًا تبلغ حوالي 242.25 مليون دولار. وعلى أساس سنوي تصبح الفاتورة نحو 2.907 مليار دولار.
هذا يعني أن أسعار المشتقات البترولية داخليًا مرشحة للارتفاع مباشرة، ما لم تتدخل الدولة بإجراءات استثنائية.
لكن القضية لا تقف عند هذا الحد. تشير بعض التقديرات، ومنها ما نشرته وكالة بلومبرغ، إلى أن أسواق الطاقة قد تتجه إلى تصاعد أكبر إذا تم استهداف المنشآت النفطية في الخليج أو إغلاق مضيق هرمز. بعض التقديرات تتحدث عن إمكانية وصول سعر البرميل إلى 150 دولارًا.
إذا حدث ذلك، فإن تكلفة الباخرة الواحدة (بمتوسط 950 ألف برميل) ستبلغ نحو 142.5 مليون دولار، أي أن ثلاث بواخر شهريًا ستكلف حوالي 427.5 مليون دولار. وعلى أساس سنوي تصبح الفاتورة حوالي 5.13 مليار دولار.
وهذا الرقم يوازي تقريبًا كامل صادرات السودان لعام 2025، التي بلغت نحو 4.5 مليار دولار. أي أن الوقود وحده قد يبتلع كل عائدات البلاد من الصادر.
3
إزاء هذا الوضع الكارثي، هناك ثلاث خطوات مهمة ينبغي على الحكومة اتخاذها، خاصة في هذه المرحلة الحرجة التي لا يعلم أحد مسار تطوراتها.
الخطوة الأولى: أن تتولى الحكومة بنفسها، عبر وزارة الطاقة، استيراد كل المشتقات البترولية، لا حتى بواسطة شركاتها، إذ إن شركاتها لا تقل جشعًا عن شركات مافيا البترول. السبب واضح: منع التربّح في سلعة استراتيجية في زمن الأزمة. أرباح بعض الشركات في أوقات الشح تتجاوز 4 ملايين دولار في الباخرة الواحدة. هذا الوضع غير مقبول في ظرف استثنائي، لأن المواطن لن يستطيع تحمّل موجة ارتفاع جديدة.
الخطوة الثانية: السعي لإبقاء الاستهلاك العام في أدنى مستوى ممكن، عبر تحديد كميات لكل ولاية، ومراقبة شركات التوزيع، وضبط التهريب الداخلي، ومنع التخزين والمضاربات.
الخطوة الثالثة: توجيه الجزء الأكبر من الوقود المستورد إلى مناطق الإنتاج، سواء الزراعي أو التعديني (خاصة الذهب). لا يجوز أن يؤدي ارتفاع أسعار الوقود إلى انهيار القطاع الزراعي، لأن ذلك سيقود إلى تضاعف أسعار الغذاء، ومن ثم إلى أزمة مركبة.
4
في المقابل، الفرصة متاحة للاستفادة القصوى من الذهب حتى في مستويات إنتاجه الحالية. إذا كان إنتاج السودان يبلغ نحو 70 طنًا سنويًا بحسب التقارير الحكومية، فإن ذلك يعادل تقريبًا 2,250,500 أونصة. وعند سعر يبلغ 5,300 دولار للأونصة — وهو السعر الحالي — فإن العائد السنوي يُحسب على النحو التالي:
2,250,500 × 5,300
= 11,927,650,000 دولار
أي أنه إذا تمت السيطرة على كل عائدات الإنتاج المعلن رسميًا (70 طنًا) فإن المبلغ المتوقع توريده للخزانة العامة يقارب 11.93 مليار دولار سنويًا.
نعم، هذا ممكن نظريًا، ويكفي لتغطية فاتورة وقود سنوية حتى لو بلغ سعر البرميل 150 دولارًا، حيث لن تتجاوز فاتورة الاستيراد في هذا السيناريو نحو 5.13 مليار دولار.
معنى ذلك أن الذهب وحده يمكن أن يغطي كل تكاليف استيراد الوقود، ويتبقى فائض يتجاوز 6 مليارات دولار.
وذلك ليس مستحيلاً؛ فدولة غانا حققت عائدات صادرات ذهب في عام 2025 بلغت نحو 20 مليار دولار تقريبًا، من إنتاج قارب 170 طنًا. ويتضح هنا أن أزمة الذهب تكمن في الإدارة، وأن تحقيق عائد يبلغ 11 مليار دولار ليس مستحيلاً، ولكنه مشروط بأن نحصل فعليًا على عائدات إنتاجنا المؤكد (70 طنًا). ويتطلب ذلك أن نكون حازمين جدًا في مكافحة التهريب، خاصة ذلك الذي يتم عبر قنوات الدولة نفسها أو عبر الصحراء إلى دول الجوار . بعض الدراسات تقدر أن ما بين 30% إلى 50% من إنتاج الذهب السوداني يخرج من البلاد خارج القنوات الرسمية.
بالمناسبة، بلغت صادرات الذهب إلى مصر 1.3 طن بمبلغ 112 مليون دولار، وهذه تمثل 40% من جملة صادرات السودان إلى مصر.
ومن ناحية أخرى، تقول المعلومات من البنك المركزي المصري إن مصر صدّرت إلى الخارج 75 طنًا من الذهب، وحصدت عائدات بلغت 7.6 مليار دولار.
علمًا بأن إنتاج مصر من الذهب — وفق بيانات وزارة البترول المصرية وتقارير شركات التعدين العالمية مثل World Gold Council وU.S. Geological Survey — يبلغ نحو 15–18 طنًا سنويًا، يأتي معظمها من منجم السكري في الصحراء الشرقية.
سؤال المليون دولار ذهب: ترى كيف ومن أين تأتي مصر بالذهب بهذه الكميات (75 طنًا) لتحصد ما لا يحصده السودان وهو ينتج 70 طنًا؟!
السودان حصد العام الماضي (2025) مليارًا وثمانمائة مليون دولار فقط، بينما بلغت عوائد مصر 7.6 مليار دولار.
5
حتى نتمكن من تجاوز هذه الفترة الكارثية في الاقتصاد العالمي، ونحقق احتياطيات جيدة، أقترح إنشاء صندوق موازنة بين الذهب والنفط. بدل أن تُصرف عائدات الذهب مباشرة في الموازنة العامة، يمكن إنشاء صندوق يربط بين أسعار النفط والذهب، بحيث تُحوَّل الفوائض الناتجة عن ارتفاع أسعار الذهب إلى الصندوق، ويُستخدم الصندوق لتغطية الارتفاع في أسعار النفط.
هذه الآلية يمكن أن تحقق قدرًا من الاستقرار الاقتصادي ع:
تخفيف الضغط على سعر الصرف.
استقرار نسبي في أسعار الوقود.
توفير احتياطي لمواجهة تقلبات الأسواق العالمية.
لكن العقدة الأساسية في هذا الصندوق ستكون في إدارته، والجهة التي يتبع لها، وضمان استقلاليته. والأفضل أن يُؤسَّس باتفاق بين وزارة المالية وبنك السودان المركزي، مع منحه استقلالًا إداريًا كاملًا، وخضوعه لرقابة شفافة ويمكن عمل سندات خزانة مسنودة بالذهب و يمكن ان تخرج مقترحات اخرى اكثر نجاعة…
حرب الخليج قد تتحول إلى كارثة، وقد تتحول إلى فرصة. الفارق بين الكارثة والفرصة ليس في أسعار النفط أو الذهب، بل في كيفية إدارة الدولة لاختياراتها، ومقدرتها على الاستفادة القصوى من مواردها المتاحة…السودان ليس بلدًا فقيرًا، ولكنه بلدٌ تُدار موارده بفقرٍ شديد..