رأي

اعترافات قلم في زمن الشاشات

أ.د.عبدالحليم موسى
أنا قلم عثمان… وهذا زمن لم يعد يعرفني الناس، قد تظنون أنني مجرد قلم، أو قطعة صغيرة من حبر وخشب أو معدن، لكنني في الحقيقة شاهد على رحلة العقل الإنساني مع المعرفة، فقد ولدت بين أطرافي أحلام، وكتبت رسائل، ودونت علوم وصيغت دساتير، وسجل تاريخ أمم، وارتجفت في يد طفل في الأيام الأولى بالمدرسة وهو يخط أول حرف، واطمأننت في يد عالم وهو يضع آخر سطر في كتاب سيبقى بعد رحيله، لا أعرف كم رسالة كتبت، ولا كم دفترا ملأت، ولا كم فكرة خرجت إلى النور عبر حبري، لكنني أعرف أنني كنت رفيقا للإنسان في أجمل رحلاته؛ رحلة البحث عن الحقيقة.
قبل أعوام قليلة، لم تكن القراءة ترفا، ولا الكتاب زينة توضع على الرفوف، بل كانا جزءا من الحياة؛ فقد كان الكتاب يدخل كل البيوت كما يدخل الضيف الكريم، وكانت الدفاتر تمتلئ بالملاحظات والخواطر، وكان الأطفال يتنافسون في جمال الخط كما يتنافسون في حفظ الدروس، وكانت رائحة الورق تحمل دفئا خاصا في كل بيت، وصوت تقليب الصفحات يعلن بداية رحلة جديدة مع الفكر، حتى كتب العقاد كتابه “ساعات بين الكتب”.
لم تكن مكتبة المنزل مجرد قطعة أثاث، بل كانت قلب المجلس وروحه، فإذا احتدم نقاش، امتدت يد أحد الجالسين إلى كتاب، وإذا اختلف رأيان، عاد الجميع إلى مرجع يحسم الحوار ويثريه، وقد كانت أسماء العقاد، وطه حسين، والرافعي، والمنفلوطي، والطيب صالح، وبروفيسور عبدالله الطيب، تتردد في المجالس كما تتردد أسماء الأصدقاء، فينشأ الأبناء وهم يدركون أنّ الكتاب رفيق العمر، وأنّ الثقافة ليست ترفا، بل أسلوب حياة.
أما اليوم فقد غابت تلك المكتبات عن كثير من البيوت، وحلت محلها شاشات صغيرة يحملها كل فرد بين يديه، وحينما يجلس الأب، والأم، والأبناء في مجلس واحد، ترى أنّ الجميع كأنّ كل واحد منهم يعيش في عالم مختلف، وهنا قد تتجاور الأجساد، وتتباعد الأرواح، وتتحرك الأصابع فوق الشاشات بينما يخفت صوت الحوار، حتى غدا كل واحد يعيش في جزيرته الخاصة دون ضجيج الآخرين.
أما أنا قلم عثمان، فأقف اليوم في زاوية مكتب غطاه الغبار، ولم يعد أحد يبحث عن قلم رصاص ليرسم شجرة، ولا عن قلم حبر ليكتب رسالة أو صفحة من مذكراته، بل أصبحت الأقلام الإلكترونية تنساب فوق ألواح زجاجية ملساء، وأصبح الطفل يكتب آلاف الكلمات على شاشة، لكنه قد يتردد في كتابة صفحة واحدة بخط يده.
وذات يوم اقترب مني فتى من أبناء هذا العصر، وحملني بين أصابعه مبتسما، وقال: يا صديقي القلم، لا تحزن، نحن لا نهجرك، وإنما نعيش زمنا مختلفا؛ فاللوحات الرقمية تحمل آلاف الكتب، وتتيح لنا أن نقرأ، ونكتب، ونرسم، ونبحث، ونتعلم في جهاز واحد. لقد أصبحت المعرفة أقرب إلينا من أي وقت مضى، ابتسمت حينها، لأنني أدركت أنّ حديثه يحمل قدرا كبيرا من الحقيقة، فالتقنية ليست عدوا للمعرفة، بل من أعظم منجزات العقل البشري، لكنها مهما بلغت من تطور، لا تستطيع أن تمنح الإنسان متعة التأمل إذا لم يكن مستعدا لها.
قلت له بهدوء: يا بني ليست المشكلة في الشاشة، كما أنّ الفضيلة كلها ليست في الورق؛ فالمشكلة أن تتحول المعرفة إلى لوحة فنية في شارع مرور سريع لا يترك أثرا، فالقراءة إقامة طويلة مع فكرة عابرة حتى تنضج، والكتابة حوار بين العقل والقلب، وأخشى أن يكبر جيلكم الرقمي والذي يجيد لمس الشاشة أكثر من ملامسة الفكرة، ويجمع المعلومات قبل أن يحولها إلى معرفة، ثم إلى حكمة.
ولذلك لا أحنّ إلى الماضي لأنني أرفض المستقبل، بل لأنني أؤمن أنّ المستقبل نفسه يحتاج إلى إنسان يقرأ بعمق، ويفكر بهدوء، ويكتب بصدق، سواء أمسك قلما من حبر، أم قلما إلكترونيا، أم جلس أمام لوحة مفاتيح، فما يصنع الحضارة ليس الأداة، وإنما الإنسان الذي يحسن استخدامها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى