د.حسن محمد صالح
شركات الطيران تودع المسافرين عند وصولهم باطلاعهم علي حالة الطقس في الخارج، وعندما قالت المضيفة بلهجة مصرية أن درجة الحرارة في بورتسودان عند الواحدة ظهرا (42) درجة مئوية : تعالت الأصوات بالتعليق والضحك، فمنهم من جاء من بلاد تموت من البرد حيتانها. حتى مطار القاهرة الدولي كانت درجة الحرارة فيه 38 درجة مئوية عند الثالثة ظهراً.
مطار بورتسودان تتم فيه عمليات استقبال المسافرين بروح طيبة وابتسامات وكلمات ترحيب بالقادمين رغم ضيق المكان، وهو عبارة عن صالة صغيرة يتصبب العاملون فيها عرقاً ويزدحم المكان بالناس رغم قلة العدد.
شابة تتبع لإحدى الجهات كانت في استقبال قادمين يُعتقد أنهم من دولة الصين، كانت تؤمي لهم بيدها بأن يمروا من هنا ودرجت العادة أن يتم استقبال القادمين من الأجانب بكتابة أسمائهم على ورقة و الإمساك بها تجنباً للحرج.
مطار بورتسودان محتل تماماً بواسطة الوسطاء وتجري الوساطة في كل شئ من تجارة العملة إلى سيارات التاكسي. الشخص القادم من الخارج لا يجد (ترولي) يحمل عليها حقائبه وهو خارج من المطار فكل (التروليات) بيد الوسطاء، والفرد منهم يستأجر هذه العربة الصغيرة التابعة لخدمات المطار للمسافر وفي الخارج يتم بيع هذا المسافر إلى سائقي سيارات الأجرة التي تقله إلى داخل المدينة مع آخرين.
هذا المشهد يتكرر عندما تأتي إلى محطة الباصات السفرية .. أعداد مهولة من الشباب يتنافسون في بيع التذاكر ويختلط حابل السماسرة مع نابل لصوص الموبايل وشق الجيوب ..
و ذات الوضع تجده عند وصولك إلي وجهتك (مطاردات) للسيارة أو الركشة بحثاً عن ضحية جديدة بوجهة جديدة !!
شباب أقوياء بدلاً من أن يكونوا في الحقول ومواقع الإنتاج تجدهم يعملون في أعمال هامشية وباعة متجولين يحملون العراقي والسروال السوداني ردئ التصنيع لبيعه للناس بمبالغ مضاعفة.
هذا هو “الهامش” الذي يصنعه الإنسان لنفسه وليس الهامش أن تولد في ضهر الحمار أو عد الغنم وتدرس في مدرسة أم قوزين الأساسية أو الثانوية.
مررنا بولاية الخير، نهر النيل، وهي ولاية معطاءة فيها إنجازات لا حصر لها ومنصات إعلامية تقدم الأخبار وتعرض أحوال المواطنين وتتابع أعمال حكومة الولاية والمحليات باهتمام بالغ .
خلال الأيام التي أمضيتها في نهر النيل كنت متطلعا لرؤية مدينة الإنتاج الحيواني التي أعلن عنها البروفيسور أحمد التجاني وزير الثروة الحيوانية والسمكية، وبدلاً من ذلك وجدت منتجات شركة دال قد أخذت موقعها في المتاجر مع سلع مستوردة وهناك منتجات للألبان لها مذاق سوداني خاص وهي منتجات بلدية، مع وفرة في الفاكهة التي تحتاج إلي تحسين وجلب سلالات جديدة وتطويرها من حيث الشكل لأن الطعم لا غبار عليه .
قطعان من الماعز تتغذي علي القمامة ويتم بيع ألبانها للناس في عطبرة وغيرها، وفي المقابل هناك اتجاه لتربية الماعز السعانين التي غزت كثيراً من المزارع والبيوت في العاصمة والولايات .
لقد هالني وأحزنني الدمار الهائل الذي حل بالخرطوم .. عمارات تم تدميرها بحقد وغل من قبل مليشيا التمرد . الإعلام السوداني لا يتطرق إلي هذه الأفعال الإجرامية وينحصر الخطاب الصحفي في العودة إلي الوطن وهي عودة شعبية أكثر من كونها رسمية فالناس فتحوا متاجرهم وأحضروا سيارات الأجرة من حافلات وباصات وأدخل المواطنون خدمة الطاقة الشمسية في بيوتهم ومساجدهم من خلال العون الذاتي والتبرعات، وهناك لجان شعبية طوعية من كرام (الفلول) تقود العمل في الأحياء السكنية لإعادة الحياة وينتظر المواطنون العودة المتثاقلة للكهرباء.
في الأخبار أن أساتذة الجامعات السودانية شرعوا في العودة للداخل السوداني استجابة لقرار وزير التعليم العالي والبحث العلمي القاضي بعودة الجامعات إلى مقراتها في السودان، و تم تحديد الحضور بالفاتح من سبتمبر 2026م ولكن من المؤسف أنه لا الحكومة ولا الجامعات هيأت لأساتذة الجامعات السودانية في ولاية الخرطوم السكن أو المواصلات ، وقد قامت المليشيا بتدمير البنية الأساسية وسرقة محولات الكهرباء في المجمعات السكنية و تم نهب السيارات.
مثلما غابت الحكومة تغيب نقابات العاملين بالتعليم العالي عن تعويض المتضررين والتعامل مع البنوك لتوفير سيارات ووسائل حركة بالاقساط للاستاذ الجامعي.
ختاماً:
إن بناء الدولة المتأثرة بالحرب يحتاج إلى الجدية والبذل والعطاء من الشعب الذي دافع عن بلاده وحررها ويشرع في عمليات البناء والتعمير وزيادة الإنتاج . الوسطاء والسماسرة فئة مضرة بالاقتصاد وتعبر عن أمة غير جادة وحالة من الكسل والخمول، فطالما أن المركبة أو البص لها مكتب وإدارة فلماذا لا يتم تعامل المواطنين مباشرة مع الجهات الإدارية ويتم الحجز من غير وسيط يتبعه جيش من الحرامية.
عمليات السمسرة لا تنحصر في هذا الجانب ولكنها تمتد الي مواقع الإنتاج وبسبب هذا النشاط الهدام تفقد الدولة كثيراً من الموارد ويتضرر المنتج الحقيقي ولن يتقدم الوطن إلا بمحاربة هذه الظاهرة الخطيرة.
عدت بحمد الله إلى أرض الوطن ونرجو أن نراه في تعافي من السمسرة والعطالة المقنعة والانصراف إلى الإنتاج الحقيقي وتوظيف طاقات الشباب.