رأي

إدريس محمد جماع: الشاعر المتفرد بين الحس الإنساني واللغة الصادقة

بقلم: د. محمد بدوي مصطفى

عندما نتحدّث عن الشعر العربي الحديث، يتبادر إلى الذهن عادة أسماء بارزة في المشهد الثقافي العام، وقد تكون تلك الأسماء محقّة في مكانتها، لكن ثمة أصوات استثنائية بقيت في هامش الذاكرة العربية رغم عمقها الفني، وهذا لا يزال يحزنني، لا سيما وأن سيرة أسرتي ارتبطت بوجودة في إحدى مصحات السودان، لكن تلك قصة أخرى، المهم أن واحد من أبرز هذه الأصوات هو إدريس محمد جماع، دعونا نقل وبدون مكابرة بل أبرزها على الإطلاق، الشاعر السوداني الذي امتلأت قصائده بالوجد الإنساني، وتجلّى فيها الحب والحياة والوجود في لغته الشفافة الصادقة، حيث تنساب إليه الفكِر والتيمات كسلسبيل الماء الزلال على صفحات جنّة تأتي أكلها كيفما نشاء.

السيرة الذاتية:
ولد إدريس جماع في 1 يناير 1922 بحلفاية الملوك، الخرطوم بحري، ونشأ في أسرة محافظة تربّت على التعليم الديني والعرف الاجتماعي التقليدي، فأحب الثقافة والحرف منذ صغره، وحفظ كتاب الله، ثم اتّجه إلى التعليم الحديث في كلية معلمي بخت الرضا، قبل أن يواصل دراسته في مصر في دار العلوم وكلية دار العلوم بجامعة القاهرة حيث درس اللغة العربية والأدب والدراسات الإسلامية حتى نال شهادة الإجازة أو العالمية في 1951م.

التجربة:
وهكذا فإن تجربة جماع يا سادتي ليست تجربة شاعر حالم منفصل عن واقعه الاجتماعي والثقافي، بل هي انعكاس لنفسية إنسان مرهف الإحساس أيما رهف، فعاش في تقاطعات الحياة وطرقاتها المتباينة، بين الريف والمدن، والتعليم والعمل، وبين الشعر والحياة اليومية. فبعد عودته إلى السودان، عمل مدرسًا في عدة مناطق، وظلّ التعليم – شأن كثيرين من شعراء عصره – مصدر عيش وتجربة إنسانية، انعكست في نصوصه التي تُعبّر عن الصراع بين الذات والكون، والحب والوجود.
رغم أنه لم ينشر إلا ديوانًا واحدًا بعنوان لحظات باقية في 1969م، وهو الذي جمعه أصدقاؤه وأقاربه عنه بسبب ظروفه الصحية، فقد قدّم من خلاله تجربة شعرية نادرة، غنية بالرؤى والمعاني الشفافة التي تنبع من صميم الإنسان.

إدريس جماع: شاعر الصراع والتوازن بين الذات والكون
في عالم الشعر العربي الحديث، لا يكاد يمر ذكر الأسماء البارزة دون أن يظهر اسم إدريس محمد جماع، الشاعر السوداني الذي أضفى على الساحة الأدبية طابعًا خاصًا بقدرته على المزج بين الحس الإنساني العميق واللغة الصادقة. لكن ما يميز تجربته أكثر من أي شيء آخر هو تلك الفلسفة الشعرية التي تقوم على التصادم والتوازن بين الذات والكون، والصراع بين الحب والوجود.
عندما عاد إدريس جماع إلى السودان بعد دراسته في القاهرة، لم يكن الشاعر مجرد مبدع يعكف على كتابة الشعر، بل كان مدرسًا يعمل في عدة مناطق، مجسدًا بذلك نموذجًا لكثير من شعراء عصره الذين جعلوا من التعليم مصدرًا للعيش والتجربة الإنسانية. هذه التجربة لم تكن تقتصر على توفير مصدر دخل، بل كانت بمثابة مرآة تعكس عمق الحياة السودانية وقضاياها الاجتماعية، كما كانت مغذيًا لشعره الذي يعكس الصراع الداخلي بين الذات الإنسانية، من جهة، و العالم الخارجي بكل ما فيه من تحديات وصراعات، من جهة أخرى.
جماع استطاع أن يخلط بين الألم والوجد في نصوصه، بحيث تبدو كلمات قصائده وكأنها تنبض بالحياة. ففي شعره، لا نجد فقط الحب والجمال، بل نجد أيضًا الوجود الإنساني بكل ما يحمله من تناقضات. فالإنسان، في نظر جماع، لا يستطيع أن يفلت من تلك المفارقات التي تربطه بالكون، تلك التناقضات التي تراه يواجه كل يوم، لكن ما يميز الشاعر هو قدرته على التعايش معها، بل وتحويلها إلى تجربة شعرية فريدة.
إن الصراع بين الذات والكون في شعر جماع ليس مجرد صراع عاطفي أو فلسفي، بل هو صراع وجودي عميق، يستحث القارئ على التفكير في جوهر الحياة والوجود. فالإنسان، في كل خطوة من خطواته، لا يسعى فقط لتحقيق ذاته، بل يسعى أيضا لفهم العالم من حوله ومكانه فيه. وهو ما يتجسد في كثير من قصائده التي تتناول مواضيع مثل الحب، الحرية، والانتماء الوطني، التي تضع القارئ أمام أسئلة وجودية تمس الواقع اليومي وتشبعها بروح الشعر.
إدريس جماع لا يُعتبر فقط شاعرًا عاش في مفارقات الحياة، بل هو شاعر ترجمة هذه المفارقات إلى نصوص شعرية قابلة للتفاعل مع الوجدان الإنساني، تمامًا كما يترجم مشاعره إلى كلمات تأخذ شكلًا حسيًا يتفاعل مع القارئ، فيعيده إلى أسئلة حيوية حول الوجود والحب والحرية.
في النهاية، يمكن القول إن شعر إدريس جماع ليس مجرد فن كلامي، بل هو تجربة حياة حقيقية، حيث يلتقي الشعر مع الإنسان في حالة من الصراع والتوازن المستمر.

اللغة والمرآة الإنسانية
ما يميّز شعر إدريس جماع في التحليل النقدي هو وضوح اللغة وعمقها في آنٍ واحد. لا غموض ولا اصطناع في التعبير، بل لغة تنبثق من مرآة الوجدان الإنساني بصدقٍ غير متكلف. هذا الوضوح لا يعني بساطة غير واعية، بل يعني قدرة على أن يصل النص مباشرة إلى عواطف القارئ دون حواجزٍ لغوية معقدة.

وقد وصفت بعض الدراسات شعره بأنه قريب من المدرسة الإنسانية للشاعر التجاني يوسف بشير من حيث الحس الإنساني والوضوح، وأنه يتمتّع بغنائية مفرطة ولغة جميلة، وهو ما يجعل نصوصه قابلة للغناء والترديد في المجالس والمناسبات الثقافية في السودان، بل وإن بعض قصائده دخلت المناهج المدرسية هناك.
إن نصوص جماع غالبًا ما تفيض بالعاطفة تجاه الإنسان والوجود، فيقف القارئ أمام شاعر يؤمن أن الشعر ليس مجرد فنٍّ بل تجربة حياة. ففي أحد أبياته التي تنتشر بين الناس ويتناقلها محبو الشعر:

إنّ حظّي كدقيقٍ فوق شوكٍ نثروه
ثم قالوا لحفاةٍ يومَ ريحٍ اجمعوه

هذا البيت، الذي تردّد كثيرًا في الذاكرة الشعبية السودانية والعربية، ويتغنى به أحد مطربيّ العراق الكبار، لا يكتفي بوصف الوجع، بل يضع القارئ مباشرة أمام مفارقة الإنسان مع قدره، وكيف يمكن أن يتحوّل سوء الحظ إلى حالة وجودية تكشف عن هشاشة الوجود الإنساني.

الحبُّ عند جماع: معاناة القلب ودوام المتعة
على صعيد الغزل، يقدّم جماع نوعًا من الحب لا يتصل بالجمال السطحي وحده، بل ينفتح على سؤال الجمال بذاته. ففي سياق حادثة شعريّة شهيرة، دخل الشاعر في موقف عاطفي مع امرأة رأها في مطار، فأنشد البيت:

أعلى الجمالِ تغارُ منّا
ماذا عليكَ إذا ابتسمنا

هذا البيت، الذي قصّ عليه أن حلمه عاشقٌ ولا يهاب الهوى، يصلح أن يكون تجسيدًا للصيرورة الشعرية الخالصة: إذ لا يغزل بالمرأة فحسب، بل بالغزل ذاته، والفعل الإنساني للحب الذي لا يُخشى فيه الجمال وحتى لو اجتمع مع الألم. وقد ذُكر أن هذا البيت قد أثار إعجاب النقاد وعُرف عن بعضهم أنه وصفه كبيتٍ له مقامٌ خاصّ في الشعر العربي الحديث.

شاعر الوطن والوجود
لا يمكن فصل جماع عن سياق الأحداث التاريخية التي مرّت بها بلاده والعالم العربي في منتصف القرن العشرين؛ إذ كتب الشعر الوطني المناهض للاستعمار وللدفاع عن قيم الحرية والكرامة، سواء في السودان أو في قضايا التحرر في الجزائر وفلسطين ومصر. كان هنا لا يكتب مجرد القصيدة، بل يكتب شهادة وجدانية عن الإنسان في مواجهة المصاعب، وعن الأمة حين تنتفض.

في إحدى قصائده الوطنية، يتجلى هذا الشعور القومي، إذ يقول مطلعًا:

سنأخذ حقّنا مهما تعالوا
وإن نصبوا المدافع والقلاع

هذا النص لا يستعيد الماضي فحسب، بل يضع الإنسان في صيرورته النضالية، ويعبّر عن إصرار لا يقبل المساومة.

التجربة الإنسانية بين الشعر والمرض
يُعدّ الجانب النفسي في حياة إدريس جماع جزءًا لا يتجزّأ من فهم تجربته الشعرية. فمن أوائل الستينيات، بدأ يعاني من اضطراب في الوعي أثر على قدرته على الكتابة ونشاطه الاجتماعي، وظلّ معرّضًا للصراع الداخلي حتى وفاته في 27 مارس 1980 في الخرطوم عن عمرٍ ناهز 58 عامًا.
هذه العزلة النفسية التي عاشها في سنواته الأخيرة لا تُقرأ بوصفها مجرد محنة شخصية، بل كجزء من الصيرورة الشعرية الداخلية التي تعكس صراعات الإنسان المعاصر مع نفسه ومع العالم. وقد أثّرت هذه الحالة على إنتاجه، فقلّت كتاباته ونُشرت أشعاره في ديوان واحد فقط، بينما كان أصدقاءه وأقاربه يجمعون نصوصه لمّا كان هو غير قادرٍ على ذلك بسبب وضعه الصحي.
وقد أشار بعض الباحثين إلى أن هذه الظروف النفسية لم تُضعف تجربته العاطفية، بل زادت من عمقها، إذ ترافقت تجربته الشخصية مع تجربته الشعرية، فأضحى شعره ليس مجرد نصوص، بل “سجلّ حسّ إنسانيّ حيّ”.

الهوية الثقافية والبعد العربي
رغم أنّ جماع لم يحظَ بالشهرة الواسعة في الساحة الأدبية العربية مثل بعض معاصريه من شعّار، فقد تناول النقد الثقافي تجربته باعتبارها صناعة إنسانية متفردة، لا تقلّ شاعرية حضورًا ودلالة عن أسماء كبيرة في الأدب العربي الحديث مثل صلاح عبد الصبور أو مظفر النواب أو محمد مهدي الجواهري، بحسب دراسات بعض النقاد.
غير أن سبب عدم انتشار شعره في العالم العربي يعود – جزئيًا – إلى قضايا كثيرة تتعلق بالظروف السياسية والإعلامية والثقافية، وليست بسبب ضعف تجربته. بل على العكس، فقد وصفه بعض المختصين بأنه من روّاد التجديد في الشعر العربي، وإن كان في إطارٍ يحافظ على روح الشعر الكلاسيكي في انسيابية اللغة والوضوح الوجداني.

إرثٌ حيٌّ وإنجازٌ متأصل:
حتى اليوم، يعدّ ديوان لحظات باقية مرجعًا مهمًا في الشعر السوداني الحديث، يتناقل نصوصه الطلاب والنقاد والمثقفون، كما أنّ بعض قصائده غُنّيت على ألسنة مطربين سودانيين، ما عزّز من إقبال الجمهور العام عليه أكثر.
ولا يزال النقاد يبحثون في دلالات نصوصه، ويرون في تجربته مدرسة مستقلة للقارئ الباحث عن الإنسان في نصّه، لا عن الشكل الخالص أو التفخيم البراق. الشعر عند جماع هو حكاية حياة، ليس كحكاية سردية فحسب، بل كحكاية وجود إنساني كامل، يجمع بين الذكرى والوجدان، بين الفردية والكونية، بين الحبّ والحرية، وبين الخيال والواقع.

الخاتمة: شاعرٌ كتب الإنسان لا الشعر
في الختام، يمكن القول إن إدريس جماع هو شاعر الإنسان قبل أن يكون شاعر الكلمات الخلّاقة؛ شاعرٌ يرى الحياة بعيونٍ تخفق بالحسّ والوجدان، ولا يقف عند حدود الزخارف البلاغية، بل يفتح النص أمام تجربة إنسانية تتجاوز الزمان والمكان. نعم، قد يكون منسيًا في الساحة العربية العامة، لكنّ مكانته «كنصٍ وكوجودٍ شعري» تظل متفردة، لا تقارن إلا بذاتها؛ فهو ليس مجرد شاعر ضمن قائمة أسماء، بل حالة شعرية مسكونة بالوجود، ومؤرّخ للحبّ، والوجدان، والكرامة الإنسانية التي تبحث عن صوتٍ صادقٍ في عالمٍ يَتعطّش إلى الكلمة الحيّة.

قصيدة أمّة المجد
أمة للمجد والمجد لها وثبت تنشد مستقبلها
رو نفسي من حديث خالد كلما غنت به أثملها
من هوى السودان من آماله من كفاح ناره أشعلها
أيها الحادي انطلق وأصعد بنا وتخير في الذرى أطولها
نحن قوم ليس يرضى همهم أن ينالوا في العلا أسهلها
و قريبا يسفر الأفق لنا عن أمان لم نعش إلا لها
إنه الفجر الذي يصبو له كل ملهوف تمنى نيلها
* * * * * *
لكاني بالعذارى نهضت وبناء الجيل أمسى شغلها
بهوي السودان غنت لحنها وأدارت بإسمه مغزلها
نهضة نادت فتاة حرة وفتى كي يحملا مشعلها
قلوب في جوانبها ضرام يفوق النار وقدا وإندلاعا
يظن السيف يورثنا انصياعا فلا والله لن يجد انصياعا
ولا يوهن عزائمنا ولكن يزيد عزيمة الحر اندفاعا
سنأخذ حقنا مهما تعالوا وإن نصبوا المدافع والقلاعا
وإن هم كتموه فليس يخفى وإن ضيعوه فلن يضاعا
طغى فأعد للأحرار سجنا وصير أرضنا سجنا مشاعا
هما سجنان يتفقان معنى ويختلفان ضيقا واتساعا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى