أبوعبيدة أحمد علي
ليس أصعب على الأمم التي أنهكتها الحروب من أن تختار بين التسامح والعدالة، وكأنهما نقيضان لا يجتمعان، وليس أخطر على مستقبل الدول من أن تُرفع راية المصالحة قبل أن تُعرف الحقيقة، أو تُفتح أبواب الحوار قبل أن تُطرق أبواب العدالة.
والسودان اليوم يقف عند واحدة من أخطر مفترقات تاريخه الحديث؛ حرب أدمت البلاد، ومزقت النسيج الاجتماعي، وأهلكت الأرواح، ودمرت الممتلكات والمؤسسات، وألقت بملايين السودانيين في دروب النزوح واللجوء والفاقة.
ومع كل حديث عن السلام والحوار والتسوية، يبقى السؤال الذي لا يستطيع أحد دفنه تحت ركام الكلمات: أين حق الضحايا؟ ومن يُسأل عن الدم السوداني؟
إنني أؤمن أن السودان لا يستطيع أن يعيش إلى الأبد في دائرة الانتقام، وأن الوطن أكبر من أن يُسلَّم لأحقاد الحرب، وأن المصالحة الوطنية ضرورة لا غنى عنها. لكنني أؤمن بالقدر نفسه أن المصالحة التي لا تمر عبر الحقيقة والعدالة ليست مصالحة، وإنما هدنة مؤقتة بين جراح لم تلتئم.
التسامح قيمة سودانية أصيلة، ومن شيم هذا الشعب أنه ظل، رغم قسوة الملمات، أكثر ميلًا إلى الصفح من الثأر، وإلى جمع الشمل من تمزيقه. لكن التسامح لا يعني أن نقول لأم فقدت ابنها: انسي. ولا أن نقول لطفل شُرِّد من بيته ، تجاوز ما حدث، ولا أن نقول لمن نُهبت ممتلكاته ودُمِّرت حياته، الوطن يحتاج إلى المصالحة، فاغفر قبل أن تعرف من فعل بك ذلك، ولا أن نقول للناجين من الانتهاكات، إن الحديث عن حقوقكم يعطل السلام.
كلا.. فالصفح اختيار الضحية، وليس امتيازًا يمنحه السياسيون لأنفسهم.. والتسامح الحقيقي لا يمحو الحقيقة، وإنما يحميها من أن تتحول إلى وقود لجولة جديدة من الانتقام.
لقد شهد السودان منذ اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023م خسائر إنسانية ومادية هائلة، ونُسبت إلى أطراف متعددة أفعال وانتهاكات خطيرة ضد المدنيين والبنية المدنية.. ومن هنا ينبغي أن نكون واضحين: نحن لا ندعو إلى الانتقام، وإنما ندعو إلى العدالة.. فالانتقام تحكمه العاطفة، وقد يطال البريء بذنب المذنب، أما العدالة فتحكمها الأدلة والقانون، وتفرق بين من ارتكب الجريمة ومن لم يرتكبها.
ولهذا يحتاج السودان إلى عدالة وطنية ومهنية ومستقلة؛ لا إلى محاكمات سياسية، ولا إلى قوائم انتقام، ولا إلى حصانات جماعية.. وإذا أردنا وطنًا يتسع للجميع، فعلينا أن نؤسس لعدالة تعرف الجاني من البريء، وتحاسب المسؤول عن فعله لا عن قبيلته أو منطقته أو انتمائه السياسي.. فالعدالة ليست نقيض التسامح، بل هي الطريق الذي يجعل التسامح صادقًا ومستدامًا.
ولذلك فإن السودان يحتاج إلى حقيقة تُعرف، وعدالة تُقام، ثم مصالحة تجمع أبناءه من جديد.. فلا سلام يدفن الحقيقة، ولا تسامح يلغي العدالة.