أنظروا….

الدكتور الخضر هارون

وردت الكلمة في عبارة في كتاب المطالعة الأولية في زمان المسنين أقران كاتب هذه السطور ولم أشأ هنا أن أجعل العبارة بأكملها عنوانا لهذه الخاطرة لأن العبارة حمالة وجوه توحي بالهمز واللمز وليس ذلك ما أريده، سيما وقد توعد الله سبحانه، البارعين من أهل الهمز واللمز وعلاوة علي كل ذلك قد يقفز بها المدلسون لغير وجهتها فينحصر القول في العنوان بما يبعد النجعة عن المضمون وتلك وسيلة من وسائل التدليس من قديم تكثر هذه الأيام لكثرة وسائل ووسائط التدليس والذكاء النافع والخبيث الصناعيين نروم تسليط الضوء عليها والتحذير من عواقبها.

والآن وبعد الهروب من مزالق وعثرات العنوان، إليك العبارة والقصة كاملتين:

جاءت العبارة في قصة بعنوان ( فرعون وقلة عقله!) مع رسم إن صدقت الذاكرة ،للفرعون يتبختر بين الرعية عاريا كما ولدته أمه. ومضمون القصة أن الفرعون العظيم مارس عملية متأنية لغسل الأدمغة ربما استغرقت عقودا من الزمان حتي زعم آخر المطاف أنه الرب الأعلي وأن الأنهار تنبع وتجري من تحت رجليه فصدق الناس جميعا ذلك أو قل جلهم وربما تظاهر أكثرهم بالتصديق مسايرة أو محاذرة، فخرج عاريا موقنا أن الناس سيرونه محتشما في زينته الملكية وشاراته المرصعة بالذهب والفضة والأحجار الكريمةً وربما رأوا ريش الطاؤوس بألوانه الزاهية ،يزين تاجه .

والزعماء والرؤساء والمنظمات تفعل ذلك في كل عصر ومصر حتي يبلغ بهم وبها الطغيان هذا المبلغ فيتألهون وتتأله .ولذلك لم تري العيون المجردة المروضة عريه لكن طفلاً صغيرا رأي ذلك رأي العين فهو لم يتم غسل دماغه بعد كالكبار، فصاح أمام الموكب المهيب : ” أنظروا مليكنا العريان!”.

والقصة في الأصل مأخوذة من رواية دنماركية بعنوان ملابس الإمبراطور الجديدةً “The Emperor’s New Cloches ألفها هانز كريستيان أندرسون وخلاصتها أن إمبراطوراً كان مهووسا باللباس الجديد ضحك عليه نصابان من بلد آخر علما بحبه لجديد الملابس فوعداه بأن سيصنعان له ملابس سحرية في غاية الروعة والجمال لا يراها إلا الأذكياء الذين يستحقون أن يكونوا في حاشيته أما الأغبياء الذين لا يستحقون فلا يرونها عليه ولا يستحقون لذلك المناصب والقرب من جلالة الإمبراطور .ثم أصبحت العبارة مصطلحا للمسايرة الاجتماعية العمياء ولو كانت خطأ.

علماء النفس مثلوا لمثل هذا التأثير علي العقول الذي يعطل الحواس فلا تري الأعين ولا تسمع الآذان ، بأن جاءوا بعالم وقور يجله الناس ويحترمونه في تجمع كبير وطلبوا منه أن يغني وهو المعروف بالجد والصرامة وقضايا الفكر العويصة ، فلما فعل ،سألوا المستمعين عن غناء الرجل فأنكروا أنه قد غني أصلاً!

ذلك نوع من التأثير العجيب الذي يشل الحواس! وبعض هذا وشبيهه في علم النفس يعرف ب Sensory Overload

.. وهي حال تسببها (الخلعة ، الخضة والفجعة) في بعض مترادفات كلمة Shock صدمة في لهجات العرب اليوم وهي حالةً تؤدي لتجميد مؤقت للحواس أو شلل إدراكي Cognitive Paralysis ولعل صديقنا النطاسي البارع دكتور ياسين القدال يوافينا بشرح أوفي.

لكن الذي نرمي إليه بهذه الخاطرة، حالة دائمة لا تزول بزوال سببها كالتي يعيشها العالم عقب فترة رحيل الاستعمار الأوروبي عن العالم الفقير حيث تكلست (المركزية الأوروبية) الشارحة لكل شئ للتاريخ والسياسة والثقافة والفنون، فمهد الحضارة كان في اليونان في أوروبا والفلسفة كذلك أما القوانين ونظم الادارة فقد جاء بها الرومان .وفي أوروبا صنعت الدولة القطرية ثم الثورة الصناعية وعهد الاستنارة ومنها أعلن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والقوانين الدولية ! كأن العالم الفسيح لم يكن سوي غابة تضربها فوضي ويسكنها بشر لا سراة لهم!

والعواصم تعتبر اليوم متحضرة إذا علت أواسطها ناطحات سحاب زجاجية وبعض طرق معبدة نظيفة تكسو جنباتها الخضرة لا تسأل عندئذ عن التفاصل و عن أحياء الصفيح فيها التي يسكنها الملايين من الجوعي والحزاني علي بعد كيلو مترات قليلة من تلك الأواسط الفخيمة!

ويبدو أن توماس هوبز الذي قضي في القرن السابع عشر ،كان محقا في وصف الإنسان وأنه شرير بالفطرة وأناني تحركه الرغبات والغرائز فيعد صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة الذي يساوي بين الدول وبعد تأسيس محكمة العدل الدولية نصت القوانين علي منح خمس دول حق النقض دون غيرها علي طريقة جورج أورويل في ( مزرعة الحيوان) بكلمة ( زيادة).

وبذاك التمييز المشين بين أفراد “الأسرة الدولية” استبيحت أوطان ونهبت ثروات ولا يزال الحبل علي الغارب. وقد بدأت تتكشف خفايا مذهلة لم تخطر علي بال إنسان سوي يعتقد أن الخيرية هي الأصل وأن الشر زيغ وخروج عن الجادة. وفي خضم هذا التخدير الدائم يتهافت الناس علي الأسرة هذه الدولية غير المنصفة يلتمسون منها النصفة وإحقاق الحقوق وإيقاف الحروب!

وهذه الدولية ذاتها تعلم أن الإمارات هي التي تدير الحرب علي السودانيين وهي التي تجئ بالمرتزقة الكولومبيين والأكرانيين وآخرين من دول عديدة في إفريقيا لكنها مع ذلك ولصرف النظر عن الإمارات توقع العقوبات علي شركات وأفراد كولومبيين وسودانيين من أسرة دقلو كانوا يتجولون في شوارع واشنطن قبل حين ، لأنهم يمولون الحرب في السودان بالسلاح والذخائر في خداع يثير كل مكامن الغيظ في الأسوياء من الناس يجدونه في دواخلهم كحد المدي وكمد اللسان في استخفاف الصغار.

وأعضاء هذه (الأسرة الدولية) يعقدون المؤتمرات الواحد تلو الآخر ولا يتكرمون حتي بدعوة حكومتنا السنية، سمها إن شئت حكومة أمر واقع، لوقف الحرب علي ذات الأسس التي تسببت في قيامها وكأن الحرب التي شردت نصف السكان وقتلت أكثر من خمسين ألف من المدنيين وهدمت وخربت جميع المستشفيات والجامعات والمدارس والمتاحف ودور العجزة واغتصبت فيها النساء وبيع بعضهن في أسواق النخاسة، لم تقم! . ومن هناك يرسلوا إلينا رسلاً بعضهم ملاحدة ومثليون ومتطرفون دينيا يتكأكأون علينا تكأكأ الأكلة إلي قصعتنا يريدون منا تطبيق نظام للحكم يناسبهم هم ،خال من كل شاردة أو واردة أو مجرد نكهة ليست أوروبية المنشأ .وقد رووا أن المنصر زويمر عندما يئس من تنصير المسلمين قال حانقا : ( انهم لا يستحقون النصرانية فمرادنا يكمن في صرفهم عن دينهم!). وحتي المدنية التي يريدونها هي ذات المدنية التي سبقت أكتوبر 2021 وحتي الاتحاد الأفريقي يفعل ذلك، يريد مدنية with excess في لغة جورج أورويل . هذه التدابير مقصودة للتمهيد للتدخل الإنساني بحجة المجاعة والذي لم يدعي لهذه التجمعات إن غاب عنها ، لاحظ لم يدعى لها، يضيع الفرص لاستدامة الحرب في عرف آلة التخدير العظمي.

ومن عجائب هذا التخدير الدائم القبول به في كل ما يقول ويقرر (وبقوة عين عجيبة) ، مثال ذلك أن بعض الدول من حقها أن تملك ما تشاء من أسلحة الدمار الشاملة، النووية والبايلوجية التي تنشر الأمراض الفتاكة والكيمائية التي تميت البشر بالاختناق وذات تلك الدول تحرم ذلك على الدول الأخرى ! والناس جميعا تزعن وتقبل ذلك الاعتراض! وفي خضم هجمة علينا في غابر الأيام قال لي مسؤول منهم أنصحكم بالتوقيع علي معاهدة تحريم شراء الأسلحة الخفيفة قلت له ولماذا امتنعت بلدكم المصنعة لها من التوقيع على معاهدة تحريم صنعها ؟ فسكت!٠ بعض هذا الإذعان الإرادي يعبر عن جبن اجتماعي أو رغبة كسولة تروم التماهي مع روح القطيع ومجافاة التفكير الحر والمحاذرة من تبعاته الثقيلة.

والغريب رغم أن وسائط التواصل الاجتماعي قد حررت الإنسان من قفص التلقي إلا أنها قد أدخلته في قواقع حمائية بات يطلق عليها ” غرف الصدي ” eco champer حيث يسجن الشخص نفسه في المواقع والقنوات التي تتفق مع مرئياته ويصم أذنيه عن سماع الأخريات فتتكرس قناعات ويتكرس معها الاستقطاب الحاد بين الرؤي المتباينة وينقطع الأخذ والرد بينها علي طريقة (عنزة ولو طارت) !

وقد أجرى باحثان دراسة لمشاهدين لقناتي س إن ان الليبرالية المتحررة وقناة فوكس المحافظة اليمينية فدفعا مبالغ مالية لتشجيع المشاهدين من القناتين ممن لا يطيقون المشاهدة إلا لاحداهما لمشاهدتهما (كل يشاهد التي يكره مشاهدتها) و لمدة شهر كامل . دلت النتيجة علي تغير آراء المجموعتين وتحركت كل منهما نحو الاعتدال والإقرار بوجود تحامل أيديولوجي أو سياسي يطبع تغطية القناتين للأحداث والأخبار بالحجب والإضافة، والتهويل بما يصيب مصداقية إعلام الناس بالحقائق المجردة في مقتل وتلك من آفات الاستقطاب.

العالم في حالة سيولة الآن والمفاهيم التي سادت منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، الخيّر منها والمعد للمخاتلة وتغبيش الأفهام وخداع البسطاء، قد اهتزت واهتزت المصداقية فيها وفي ذلك كثير من الأخطار لكن فيها فرصة للانعتاق من الأوهام والإذعان للهياكل والأجسام وشحذ الأذهان لمعرفة أعمق قد ترد العلاقات الدولية إلي شئ من الاعتدال والإنصاف والاحترام المتبادل. وتصديقها ومجارات صنائعها وهي آيلة للسقوط بعد من السفه والغباء وقبول الدنية.

نحن مستهدفون في السودان أرضاً وشعباً وثروات ولنضع ذلك نصب أعيننا فقد خبرنا مأساة الحرب ولم يكن الأمر بالحديث المرجم في 15 أبريل 2023 وأنت تساق كالسائمة من مأمنك، من بيتك الذي بنيته بالعرق والاغتراب الطويل أو بناه أبوك العامل البسيط أو المزارع الذي عاش في ضحضاح من الفقر ويجئ رجل بعد ذلك كله يخرجك منه ويضع فوهة البندقية علي رأسك يتطاير من عينيه الشرر شرا وحقدا! وهو يقول (من وين انتا؟ من الشمالية ؟ من مصر ؟.)

الأمر جد لا هزل فيه، وأثر الفأس علي رؤوسنا لا على ظهر الحية الرقطاء باق لن تمحوه المصطلحات المخاتلة مثل :حرب الجنرالات ، البلابسة ، عشاق الحروب ، تنطلق من حناجر الذين أشعلوها وتولوا كبرها فلما فسد التدبير الذي تضافرت عليه نحو أربعين دولة ومنظمات دولية وإقليمية وأشقاء وجيران ولا تزال، تعالت أصوات البكاء وتقاطرت أدمع التماسيح. نحن معشر المدنيين علم الله لم نكن من جناتها لكننا المصطلين بنيرانها .

والقادر على وقفها بما يحفظ حقوق من اكتووا بلظاها دون استسلام أو إذعان أو إذلال ، سيجدنا في الانتظار لكننا لن نقع تحت تأثير التخدير والختل ومفردات الأسرة الدولية التي لا تزال تتفرج علي صور مصارعنا على الشاشات دون أن تفعل شيئا أو لا زالت تصب الزيت علي اللهب الحارق المشتعل!

ولئن اختار أولوا الأمر أن يصانعوا بحلو الكلام وبالسفر إلي حيث يدعون عملا بحكمة ابن أبي سلمى ولإقامة الحجة بالتقيد بشكليات القوانين المنصوص عليها، فليصانعوا شريطة أن يقوموا بالواجب في القضاء علي هذا التمرد اللعين.

روى الجاحظ في (البخلاء) أن بخيلا كان يتخفى لأكل وجباته المفضلة في بستان له ولسوء حظه رآه أحدهم، سلم عليه فرد السلام قائلا على مضض تفضل! ولما رآه مقبلا عليه قال إلى أين؟ قال : قد دعوتني للتو لطعامك. قال البخيل لا حول ولا قوة : طعام بكلام!

قد يجوز مثل هذا في هذا الزمن الأغبر!

Exit mobile version