أنا .. الطير المهاجر .. !!

إبراهيم احمد الحسن يكتب :

(1)
كنت أدندن بلحن لم يزل رغم السنين الحلوة والمرة يدوزن كيان كل سوداني .. غريب وحيد في غربته ! والطائرة تأخذ دورتها الأخيرة قبل الهبوط في مطار الخرطوم ، أتساءل من هو هذا الغريب ؟ هل هو محمد وردي ؟ أم صلاح احمد إبراهيم ؟ من هو ؟ هل هو كل سوداني أجبرته الظروف والزمن (الشين ) علي الهجرة ؟ هل هم الملايين من هؤلاء ؟ بل لعله حالي أنا (غريب وحيد في غربته)
(2)
وتصور – معي – كيف يكون حاله ؟ وهو سوداني وأهل الحارة أهله ! تصوره (حيران يكفكف دمعته ) و (حزنان يغالب لوعته ) مصطحباً معه أمنية واحدة .. واحدة فقط (ويتمنى … بس لعودته ) يتمنى بس لعودته ولكن آه من لكن هذه .. لكن ! ( طال بيه الحنين ) و ( فاض به الشجن). وفاض بي الشجن وملامح الخرطوم من على الطائرة تتبدى مع شفق الصباح وفلق فجر ضيائها و إشراق نورها في صباح بدأ يسفر شيئا فشيئا عن وجهها الحزين وجدتني اردد بلا وعي نظم هاشم صديق (سألتك يا وطن أرتاح / فديتك يا وطن تسلم / قريت في دفترك شجنك / وذاكرت المعاني حكم ) .ثم أخالني
إقترب منه (الصباح ) حتى اوشكت أمد يدي أصافحه وألثم جبينه المشرق الوضاح فوجدتني ألثم نافذة الطائرة وألوح في الهواء بقبلة كأنني اطبعها علي جبين الخرطوم المنير وخدها الأزهر .
(3)
ويصفق الطير المهاجر بالجناح ويهتف به صلاح ( بالله .. بالله / يا الطير المهاجر عود للوطن) يا الله وهانذا اعود للوطن . ويحدد (وردي ) الزمن بالمواسم (زمن الخريف) وأرى في الأفق البعيد شتاء الخرطوم يقبل بتؤدة إعتادها في اكتوبر من كل عام ، لم تغير الخرطوم عادتها ولم يغير الشتاء إعتياده ولم يتغير في دواخلي الحنين حين عودة . ويستبطئ صلاح طيره المهاجر ويهتف به (تطير بسراع ) والزمن عند صلاح غالي ( تطير ما تضيع زمن ) وضاع منا الزمن الطويل في المنافي في المطارات القصية والمرافئ البعيدة .. في الأرصفة والمواني تمتد بلا ساحل وأتمتم ( آه يا وطني المستف في المطارات القصية / آه يا كفني المنتف في مدارات القضية / آه يا صمتي المكتف في العبارات الندية / آه يا نفسي الملطف بالنهارات الصدية ) ، آه ثم آه ومليون آه !
(4)
ويتوسل صلاح إلى الطير المهاجر( اوعك تقيف وتواصل الليل بالصباح ) لا يكترث صلاح للذي يعتري البلد (زمن الخريف) في هذا الزمن كل الخير ولا شئ غير الخير ، يحثه صلاح ( تحت المطر ..) ويوغل في الإلحاح ( وسط الرياح !! ) وعندما نسأل بشفقة : وكان تعب ؟؟
(5)
ويجيب صلاح : (وكان تعب منك جناح …. فى السرعه زيد ) ويَسَوِّقْ صلاح أحمد إبراهيم بكل الفخر بلادنا .. ( فى بلادنا ترتاح ! ) وضل الدليب والذي يرمي بعيد وبعيد جداً هو عند صلاح ل طيره المهاجر أريح سكن ( ضل الدليب ..أريح سكن ) وبين بلادنا ترتاح ، والطير يرتاح أدندن ثانية ب غُنى هاشم للبلد( سواعدك ضاربة / فوق الريح / و جرسك ديمة / صوتو فسيح / ونجمك في الأماسي علم/ سألتك يا وطن إرتاح / فديتك يا وطن أسلم / متين تلمس صوابعك / قيف؟ متين تعرف خلاصك / كيف؟/ متين تفرح؟ / متين تنجم؟ ) ويعيد إلىَّ هاشم نفسه إحساس طاغي بالقادم الجميل ( عندي إحساس / رغم أحزان المراسم / إنو باكر بيكي أجمل/ وانو باقي الرحلة أسهل/والأماسي الشارقة/من ضلفة عيونك/شوفا أنبل) !
(6)
ويتحدى صلاح الطير المهاجر ( فوت بلاد .. وتسيب بلاد ) اقطع الفيافي والوهاد مر علي كل البلدان فوت بلاد وسيب بلاد ، وكل بلد ل فوت عندها معنى ففي بلاد الشام لبنان والأردن وسوريا وفلسطين ، تعنى ادخل ،، وصلاح بهذا المعنى يقول للطير ادخل بلاد وسيب بلاد وأدخل بلادنا بسلام ، ثم ان فوت عندنا في السودان تعني اذهب ، انصرف او ابتعد والمعنى هنا للطير واضح . إبتسمت وانا ارسم هذا المعنى الواضح وقصد صلاح الصادق ب(فوت) ..
(7)
وماذا يحدث ان جيت بلادي ؟ وها هو طائري الميمون يحلق في سماء الخرطوم ! يتساءل صلاح وأنا ماذا ستجد ؟ تلقى فيها النيل بيلمع فى الظلام.. زى سيف مجوهر بالنجوم فى الظلام .. تنزل هناك وتحى يا طير باحترام . وها هو النيل يظهر امامي ، والطائرة تُحلق في سماء الخرطوم بالطبع لم استطع النزول رفعت كلتا يديا أحيه ، أحي النيل بإحترام .
(8)
بالله ياطير قبل ما تشرب .. تمر على بيت صغير .. من بابه من شباكه بيلمع الف نور
تلقى الحبيبة بتشتغل منديل حرير لحبيب بعيد ، يقول صلاح ذلك بأنفة وشوق ، ويطير بي الخيال الي كل بيوت السودان :(أنا ماشي …/ لي بِيُوت تفتح لِي أدُقْ / أو ما أدق / من غير تقول / الزول مِنُو / ولا حتَّى علّ الداعي خِير / لا مالَك ؟ الجابك شِنُو ؟ / لي بيوت بجِيهن / في أيِّ يوم / إن جيتا ليل / إن جيت دغُشْ / طوَّالي
أدفْر الباب / وأخُشْ / لا طبلة / لا كيلون سويتش / ولا ترابيس / لا جَرس / لا سِلكِ شائك / لا ترَس / لا غفير تفاوضو / لا حرس / لا كلاب تشمَّك / شم جُراب / فتِّيش وجَس ) واجد نفس ادق علي شباك نافذة الطائرة التي بدأت الهبوط التدريجي نحو مطار الخرطوم وكأنني أستاذن الدخول الي هذه البيوت ، ثم أقرر اللا أدق فقد لامست إطارات الطائرة أرض المطار ارض الوطن ! أحاول الوقوف وأنا أهتف (هذه الارض لنا فليعش سوداننا) فيشدني الحزام الذي يربط وسطي إلى المقعد فأكمل نشيدي ( يا بني السودان هذا رمزكم يحمل العبء ويحمي ارضكم ) .
(9)
طائرتي لامست إطاراتها أرض المطار ، وطفقت تجري في المدرج ، وطائر صلاح احمد إبراهيم (يجمح جاي ويرمح جاي )فيصيح به صلاح : ماذا دهاك يا طير ؟ قف قبل متابعة الطير ، قف عند الحبيبة ! قف لديها وبوس ايديها وانقل اليها وفائى لها ، وحبى الاكيد..ويتمدد حبي الأكيد مع تمدد أرض مهبط المطار إلى كل شبر في سودان حبيب ، عزيز ، كريم ، نبيل وغالي .
(10)
ويتمدد حب صلاح الأكيد ويقول سلام … ويعيد سلام وأردد معه مليون سلام على نيل بلادنا…. سلام .. وشباب بلادنا سلام
ونخيل بلادنا سلام ! أبتسم فأنا الان ما عدت غريب وحيد في غربته ، حيران يكفكف دمعته حزنان بغالب لوعته ولكنني سعيد ومن أرض الوطن أقول سلام .. سلام لكل طير مهاجر طال بيه الحنين ، فاض به الشجن ، ولكل حبيب بعيد معبراً عن وفائي وحبي الأكيد . ثم أنني يفيض بي الحنين والشجن وأقول لنفسي إبتسم فها انت مرةً ثانية في الخرطوم بعدما طال بك الغياب وامتد شهر . إبتسم فأنت بين أحبابك ( والدنيا دون أحباب غيمة والضباب دفنا ) !
https://www.facebook.com/share/1J7gMMjhN2/?mibextid=wwXIfr

↑
Exit mobile version