آفاق رقمية
د. محمد عبدالرحيم يسن
digital.start23@gmail.com
الحلقة السابقة من آفاق رقمية، تناولت أبرز التحولات التي رصدها تقرير كراود سترايك العالمي للتهديدات السيبرانية لعام ٢٠٢٦م، وما كشفه من تسارع في الهجمات وتنامي استخدام الذكاء الاصطناعي. وفي هذه الحلقة، نتوقف عند مخاطر الأنظمة السحابية، وسلاسل توريد البرمجيات، واستخدام الذكاء الاصطناعي، وما تعنيه هذه التطورات للمؤسسات والأفراد.
من التحولات اللافتة أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءا من البيئة التقنية التي تحتاج إلى الحماية. فالمؤسسات التي تعتمد عليه في البرمجة وتحليل البيانات وإنجاز الأعمال قد تتعرض لمخاطر ترتبط بثغرات الأدوات، أو الصلاحيات الممنوحة لها، أو البيانات التي تتعامل معها. وقد يستغل المهاجمون التعليمات المضللة للتأثير في مخرجات الأنظمة الذكية، أو دفعها إلى تنفيذ عمليات غير مقصودة.
ويشير التقرير إلى ارتفاع استغلال الثغرات الأمنية قبل الإعلان عنها بنسبة ٤٢% خلال عام ٢٠٢٥م، وتفرض هذه الظاهرة على المؤسسات متابعة التحديثات الأمنية، وحصر الأنظمة المكشوفة للإنترنت، ومعالجة الثغرات وفق أولويات واضحة.
ويمتد الخطر إلى سلاسل توريد البرمجيات، فقد يبدأ الاختراق لدى أحد المطورين أو الموردين، ثم ينتقل إلى مؤسسات أخرى عبر تحديث أو مكون برمجي موثوق. لذلك، لا تكفي حماية الأنظمة الداخلية وحدها؛ إذ ينبغي التحقق من مصادر البرامج والتحديثات، ومراجعة صلاحيات الموردين، ومتابعة الأنشطة غير المعتادة.
وتشكل الخدمات السحابية جانبا آخر من هذه المخاطر، مع اعتماد المؤسسات عليها في تخزين البيانات وتشغيل التطبيقات، وقد يتمكن المهاجم من الدخول باستخدام حساب مشروع حصل عليه بالخداع أو سرقة بيانات الدخول. ولهذا تبرز أهمية التحقق متعدد العوامل، وضبط الصلاحيات، ومراجعة الحسابات، ومراقبة الأنشطة السحابية، إلى جانب حماية الأجهزة المتصلة بالإنترنت التي قد تشكل منافذ للوصول إلى الشبكات الداخلية.
ماذا يعني ذلك للمؤسسات والأفراد؟
يعني أن التهديدات لم تعد تقتصر على الفيروسات والبرمجيات الخبيثة، وإنما تشمل سرقة الحسابات، وانتحال الشخصيات، واستغلال الثقة للوصول إلى البيانات، وقد يؤدي ضعف في إدارة الصلاحيات داخل مؤسسة إلى تعريض أنظمة متعددة للخطر، فيما قد يتسبب تفاعل فرد مع رسالة احتيالية أو رابط مزيف في كشف بياناته وحساباته.
ويستحق استخدام الذكاء الاصطناعي عناية خاصة؛ فالتعامل معه دون وعي بمخاطره قد يؤدي إلى تسريب بيانات سرية، أو الاعتماد على معلومات غير دقيقة، أو منح التطبيقات صلاحيات تتجاوز حاجتها. كما يستطيع المحتالون استخدامه لإنتاج رسائل مقنعة وانتحال شخصيات يصعب التحقق منها. لذلك، ينبغي حماية البيانات المقدمة للأدوات الذكية، والتحقق من مخرجاتها، وعدم تكليفها بمهام حساسة دون رقابة بشرية.
ما المطلوب عمليا؟
تحتاج المؤسسات إلى تحديث أنظمتها، وتفعيل التحقق متعدد العوامل، وتقييد الصلاحيات، ومراقبة الأنشطة المشبوهة، واختبار خطط الاستجابة للحوادث، ووضع ضوابط لاستخدام الذكاء الاصطناعي والتعامل مع الموردين.
أما الأفراد، فعليهم استخدام كلمات مرور قوية وفريدة، وعدم مشاركة رموز التحقق، والتحقق من هوية المرسل قبل فتح الروابط أو تنفيذ الطلبات، وتجنب إدخال المعلومات الحساسة في أدوات ذكية غير معتمدة.
وبالنسبة للسودان، تكتسب هذه الإجراءات أهمية خاصة مع إعادة بناء المؤسسات والتوسع المتوقع في الخدمات الرقمية، ومن الضروري إدراج الأمن السيبراني في مراحل التخطيط والتصميم والتنفيذ، وتأهيل الكوادر، وتحديد المسؤوليات، ووضع خطط لاستمرارية الأعمال والتعافي من الحوادث. فحماية الأنظمة ينبغي أن تسير بالتوازي مع تطويرها، حتى لا تتحول الخدمات الرقمية الجديدة إلى منافذ لمخاطر يمكن تجنبها بالتخطيط السليم.
لقد أصبحت الحسابات والأجهزة والتطبيقات والخدمات السحابية وأدوات الذكاء الاصطناعي أجزاء مترابطة من بيئة رقمية واحدة. وقد يستغل المهاجم نقطة ضعف صغيرة للوصول إلى بيانات أو أنظمة ذات قيمة كبيرة، مستخدما أدوات تبدو مشروعة في ظاهرها.
في عصر المراوغة، لا تكفي الثقة بالتقنية وحدها؛ فالحماية تبدأ بالوعي، وتستند إلى التحقق والمراقبة، وتكتمل بالاستعداد لاكتشاف الهجوم واحتوائه. أما الذكاء الاصطناعي، فتتحقق الاستفادة من إمكاناته عندما يصاحبه استخدام مسؤول يحمي البيانات ويبقي القرارات الحساسة تحت إشراف الإنسان.
١٧ أكتوبر ٢٠٢٦م
