رأي

أجنحة فوق هامات الوطن: القوات الجوية السودانية: سبعة عقود من السيادة والبطولة نحو قوة جوية للمستقبل!؟

السفير.د.معاوية البخاري

في أعياد الجيش السوداني، تتعدد صور الاحتفاء بالمؤسسة العسكرية التي ارتبط تاريخها الحديث بتاريخ الدولة الوطنية واستقلالها وسيادتها. وبينما تستحوذ المعارك البرية والقيادات العسكرية على مساحة واسعة من الذاكرة الوطنية والإسناد الشعبي، تظل هناك مؤسسة أخرى أدت دوراً لا يقل أهمية، وإن كان من السماء: القوات الجوية السودانية.

فمنذ أن بدأت الدولة السودانية المستقلة في بناء سلاحها الجوي، لم يكن الأمر مجرد إنشاء تشكيل عسكري جديد، وإنما كان تأسيساً لقدرة استراتيجية تمس جوهر السيادة الوطنية: القدرة على مراقبة المجال الجوي، وحماية المنشآت الحيوية، وإسناد القوات البرية، ونقل القوات والإمدادات، وتنفيذ الاستطلاع والإخلاء، والوصول إلى مناطق لا تستطيع القوات البرية بلوغها بالسرعة المطلوبة.

ومن هنا، فإن تاريخ القوات الجوية السودانية ليس تاريخ طائرات ومطارات وحروب فحسب؛ بل هو تاريخ رجالٍ حملوا الوطن إلى السماء، ومؤسسةٍ استطاعت أن تتطور في ظل ظروف سياسية واقتصادية وأمنية شديدة التعقيد، وأن تحافظ على حضورها في معادلة الأمن الوطني السوداني لعقود طويلة.

البدايات: حين بدأت الدولة تحرس سماءها

نشأت القوات الجوية السودانية في السنوات الأولى للاستقلال عام 1956، وكانت البدايات متواضعة من حيث الإمكانات، لكنها كانت طموحة من حيث الرؤية وبعد النظر.

بدأ بناء الكادر الوطني في بيئة كانت فيها الدولة حديثة التكوين، وكانت خبرة الطيران العسكري لا تزال في طور التأسيس. وبدأت عمليات التدريب وتنظيم مدرسة الطيران، ودخلت طائرات التدريب النفاثة لاحقاً، لتفتح أمام الطيار السوداني طريقاً نحو عالم الطيران العسكري الحديث.

كانت تلك المرحلة بمثابة لحظة تأسيس للعقل الجوي السوداني.

فالمؤسسة لم تكن بحاجة إلى طائرات فحسب، وإنما إلى طيارين وفنيين ومهندسين ومدربين ومراقبين وأطقم صيانة وقيادة وسيطرة. ولذلك فإن أهم ما أنجزته القوات الجوية في سنواتها الأولى لم يكن ما ظهر في مدارج الطائرات، وإنما ما تأسس في مدارسها وقواعدها ومؤسسات التدريب التابعة لها وفوق ذلك عقيدتها.

ومنذ ذلك الوقت بدأت تتكون أجيال متعاقبة من الطيارين السودانيين الذين تلقوا التدريب داخل السودان وخارجه، وأسهموا لاحقاً في بناء مدرسة وطنية للطيران العسكري.

من مدرسة الطيران إلى قوة جوية متكاملة

لم تتوقف مسيرة التطور عند طائرات التدريب.

فمع تغير البيئة السياسية والاستراتيجية للسودان، تغيرت أيضاً مصادر التسليح والشراكات العسكرية. وانتقل السلاح الجوي تدريجياً من الإرث البريطاني إلى منظومات سوفيتية وصينية، ثم إلى منصات من مصادر متعددة، الأمر الذي أوجد خبرة سودانية في تشغيل طائرات مختلفة المدارس والتقنيات.

ودخلت إلى الخدمة، على مراحل مختلفة، طائرات مقاتلة وطائرات نقل ومروحيات وطائرات إسناد، ثم ظهرت لاحقاً منصات أكثر تطوراً في مجالات القتال والاستطلاع.

وكان لهذا التنوع وجهان: فمن ناحية وفر للقوات الجوية مرونة في الحصول على المنظومات؛ ومن ناحية أخرى فرض تحديات كبيرة في الصيانة وقطع الغيار والتدريب والتكامل بين المنصات.

وهنا تكمن إحدى أهم قضايا المستقبل: القوة الجوية ليست عدد الطائرات التي تمتلكها الدولة، وإنما قدرتها على إبقاء تلك الطائرات جاهزة، وربطها بالمعلومات والقيادة والسيطرة، وتشغيلها بكفاءة في ظروف الحرب والطواري، مقابل أوقات الحصار والتضييق والعقوبات .

الجغرافيا السودانية صنعت حاجة استراتيجية إلى القوة الجوية

تتميز الدولة السودانية بجغرافيا واسعة ومعقدة، وبحدود طويلة ومناطق صحراوية وسافناوية وجبلية، فضلاً عن مناطق ظلت شبكات الطرق والمواصلات فيها محدودة.ولذلك كان الطيران بالنسبة للسودان أكثر من وسيلة قتالية.

كان وسيلة لربط الدولة بأطرافها.

النقل الجوي، والإمداد، والاستطلاع، والإخلاء، وحركة القوات، والإسناد الجوي، كلها وظائف اكتسبت أهمية خاصة في الحالة السودانية.

وم هنا تطورت القوات الجوية باعتبارها أداة للحركة الاستراتيجية للدولة، وليس مجرد سلاح يستخدم في المعارك.

وهذه خصوصية مهمة ينبغي الحفاظ عليها عند التفكير في مستقبلها؛ فالقوة الجوية السودانية ينبغي أن تصمم وفق الجغرافيا والاحتياجات الوطنية، لا وفق سباق تسلح إقليمي مجرد، بل مقابلة كل الاحتياجات  والتنافسية والجاهزية.

الطيار السوداني: رأس مال المؤسسة

إذا كانت الطائرة تمثل الأداة، فإن الإنسان هو مصدر القوة الحقيقية.وقد مر الطيار السوداني بمراحل تدريب شاقة، في ظل إمكانات محدودة أحياناً، ومسارح عمليات واسعة، وظروف قتالية قاسية، وتحديات لم تنقضي .

وكان بناء الكادر الوطني أحد أهم إنجازات المؤسسة. فمنذ الأجيال الأولى، انتقل السودان تدريجياً من الاعتماد على الخبرة الأجنبية إلى تكوين طيارين ومدربين وفنيين وقادة سودانيين.

ولم تكن مسيرة بناء الكادر خالية من التضحيات؛ فقد شهد تاريخ الطيران العسكري السوداني حوادث مؤلمة فقد فيها استشهاد عدداً من خيرة أبنائه في التدريب والعمليات.

لكن تلك التضحيات أصبحت جزءاً من الذاكرة المهنية للمؤسسة، وأسهمت في ترسيخ ثقافة الانضباط والمسؤولية والشجاعة التي ارتبط بها الطيار السوداني.

ولهذا فإن الاحتفاء بالقوات الجوية في عيد الجيش ينبغي ألا يقتصر على الطائرات؛ بل يجب أن يستحضر الطيار  والمهندس والجندي والفني والمدرب والرقابة الجوية وكافة أطقم السلاح العاملة .

في ميادين الحرب والسلام

ارتبطت القوات الجوية السودانية بمختلف مراحل الصراع التي شهدها السودان منذ الاستقلال، وشاركت في عمليات الإسناد والنقل والاستطلاع والإخلاء والقتال.

وفي الحروب الداخلية، كان للطيران دور في المناطق التي تفرض طبيعتها الجغرافية صعوبات كبيرة أمام الحركة البرية.

كما امتد حضور القوات السودانية إلى خارج الحدود، في إطار مشاركات إقليمية ودولية مختلفة، بما في ذلك المشاركة السودانية في حرب أكتوبر 1973، ومهام إقليمية وأفريقية لاحقة، وما يزال الارتباط والتنسيق اقليميا ممتدا الي جانب المناورات  والمهام العملياتية المشتركة .

وهنا تجدر الإشارة إلى أن قوات المظلات والقوات المحمولة جواً ليست جزءاً تنظيمياً من القوات الجوية، وإنما هي من القوات البرية، لكن بينها وبين القوة الجوية تكامل عملياتي وثيق، خصوصاً في النقل والإنزال الجوي.

وقد أظهرت مشاركات القوات السودانية المحمولة جواً في بعض المهام الخارجية قدرة على تنفيذ عمليات تتطلب درجة عالية من التنسيق بين النقل الجوي والقوات البرية.

وهذا التكامل بين القوة الجوية والقوات المحمولة جواً يمثل أحد أوجه القوة العسكرية الحديثة التي ينبغي تطويرها مستقبلاً.

القادة والأجيال: تراكم مؤسسي لا يصنعه فرد

مثل بقية مؤسسات القوات المسلحة، لم تبنَ القوات الجوية مجدها على قائد واحد، وإنما على تراكم أجيال من القادة والطيارين الاكفاء والفنيين المهرة .

وتعاقب على قيادتها عدد من الضباط الذين تركوا بصماتهم في مراحل مختلفة من تاريخها، وتنوعت مهامهم بين قيادة القواعد الجوية والعمليات والتدريب والاستطلاع وإدارة شؤون الطيران.فالتحية والنحلة الي القادة من المؤسسين الاوائل الاحياء منهم ومن مضى الي الله مأجوراً

ومن الأسماء التي ارتبطت بالقيادة الجوية في مراحل مختلفة الفريق أول طيار أحمد علي أحمد الفكي، والفريق طيار محي الدين أحمد عبدالله، والفريق صلاح عبد الخالق والفريق طيار عصام الدين سعيد، وغيرهم من القادة الذين شكلوا حلقات في سلسلة التطور المؤسسي.

وفي السنوات الأخيرة تولى الفريق طيار ركن علي عجبنا جمودة محمد قيادة القوات الجوية، بعد مسار مهني شمل العمل في القواعد والعمليات والاستطلاع والتدريب.

ولا تكمن أهمية هؤلاء القادة في الأسماء وحدها، وإنما في حقيقة أعمق: أن المؤسسات العسكرية القوية هي التي تستطيع نقل الخبرة من جيل إلى جيل، بحيث لا تبدأ كل قيادة من الصفر، ولكنه تراكم مدرسة و مسيرة وخبرات متنوعة .

القوات الجوية في حرب 15 أبريل: اختبار مختلف

مثلت الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 اختباراً بالغ القسوة للقوات الجوية السودانية.

فهي لم تكن حرباً تقليدية بين جيشين نظاميين متكافئين في الشكل، بل حرباً داخلية ذات امتدادات إقليمية ودولية، شهدت انتشاراً واسعاً للطائرات المسيرة، وتغيراً في طبيعة التهديدات، واستهدافاً للقواعد والمنشآت، وتوسعاً في استخدام التكنولوجيا غير المأهولة.

وفي هذا السياق ظل التفوق الجوي أحد العناصر الأساسية في معادلة العمليات للقوات المسلحة السودانية.لكن الحرب أظهرت في الوقت ذاته أن القوة الجوية التقليدية وحدها لم تعد كافية.

فالمقاتلة الحديثة تحتاج إلى شبكة معلومات، والدفاع الجوي يحتاج إلى إنذار مبكر، والطائرة المسيرة تحتاج إلى منظومة قيادة وتحكم، وكل ذلك يحتاج إلى اتصالات آمنة وحرب إلكترونية وسيبرانية وصيانة وإمداد مستمر.لقد أصبحت السماء نفسها ساحة متعددة المجالات.

وهذه ربما تكون أهم رسالة استراتيجية تقدمها الحرب الحالية للقوات الجوية السودانية.

من الطائرة إلى المنظومة

شهدت الحرب الحديثة تحولاً عميقاً في مفهوم القوة الجوية.

لم تعد المعادلة:

طائرة + طيار + سلاح.

بل أصبحت:

طائرة + مسيرة + استطلاع + أقمار صناعية + اتصالات + حرب إلكترونية + دفاع جوي + قيادة وسيطرة + ذكاء اصطناعي.

وهنا ينبغي أن تبدأ رؤية السودان المستقبلية.

فالطائرة المقاتلة ستظل ضرورية، ولا يمكن الاستغناء عن الطيران المأهول، لكن وظيفتها المستقبلية ستكون أكثر ارتباطاً بمنظومة أوسع من أجهزة الاستشعار والطائرات غير المأهولة والقيادة والسيطرة.ومن هنا يمكن تصور قوة جوية سودانية مركبة تجمع بين الطائرات المأهولة والمسيرات والاستطلاع الجوي والحرب الإلكترونية والدفاع الجوي والقدرة على تحليل المعلومات.

التدريب: المعركة التي تسبق المعركة

إذا كان هناك درس أساسي يمكن استخلاصه من تجارب الجيوش الحديثة في المنطقة، فهو أن التحديث يبدأ من التدريب قبل أن يبدأ من التسليح.

فالدول التي نجحت في تحديث قوتها الجوية لم تكتفِ بشراء طائرات حديثة، وإنما استثمرت في مدارس الطيران والمحاكاة والتدريب المشترك وإعداد الفنيين والمهندسين وتطوير عقيدة القيادة والسيطرة. وهذا درس بالغ الأهمية للسودان.فإعادة بناء القوة الجوية يجب أن تبدأ بإعادة بناء منظومة التعليم والتدريب الجوي.

ويشمل ذلك:

•تطوير أكاديمية أو مؤسسة وطنية متقدمة للتدريب الجوي.

•التوسع في أجهزة المحاكاة الحديثة.

•تطوير برامج تدريب الطيارين المقاتلين والنقل والمروحيات.

•تأهيل المدربين السودانيين.

•إنشاء مسارات متخصصة للمهندسين والفنيين.

•إدخال علوم الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والحرب الإلكترونية وتطوير الرادارات والتغطية الجوية.

•توسيع التدريب المشترك مع الدول الصديقة والعمليات النوعية المشتركة.

•بناء ثقافة عمليات مشتركة بين القوات الجوية والدفاع الجوي والقوات البرية والاستخبارات لاجل الأحكام والسيطرة الجوية.

فالطيار الذي يتدرب على طائرة حديثة من دون أن يتدرب على إدارة المعركة الحديثة لن يستطيع استثمار التكنولوجيا بكامل طاقتها.

ماذا نتعلم من تحديث الجيوش في المنطقة؟

لا يحتاج السودان إلى استنساخ تجارب الآخرين، لكنه يستطيع الاستفادة من دروسها.

فبعض الدول العربية والإفريقية اتجهت إلى تطوير مقاتلاتها وربطها بأنظمة القيادة والسيطرة، وتوسيع استخدام المحاكاة، وبناء قدرات التزود بالوقود جواً، وتعزيز الاستطلاع والإنذار المبكر، وتطوير أساطيل الطائرات المسيرة.

وقد أصبحت دول مثل مصر والمغرب والجزائر ودول الخليج وغيرها أمثلة مختلفة على مسارات متعددة للتحديث، لكل منها خصوصيته وموارده وعقيدته الدفاعية.

والدرس الأهم من هذه التجارب ليس ما نوع الطائرة التي اشترتها هذه الدولة أو تلك، وإنما كيف بنت الدولة منظومة متكاملة حول الطائرة.

وهذا هو الدرس الذي يمكن أن تستفيد منه الخرطوم:

لا ينبغي أن يكون الهدف قوة جوية أكبر، وإنما قوة جوية أكثر جاهزية واستدامة ومرونة وقدرة على العمل المشترك.

المسيرات: فرصة لإعادة تعريف القوة الجوية السودانية

أثبتت الحرب الحالية أن الطائرات غير المأهولة لم تعد سلاحاً هامشياً.

فهي أصبحت جزءاً من الاستطلاع والمراقبة وتحديد الأهداف والاتصال والضربات، كما فرضت نفسها على العقيدة العسكرية الحديثة بسبب انخفاض تكلفتها مقارنة بالطائرات المقاتلة المأهولة، وإمكان تشغيل بعضها لفترات طويلة وبمخاطر بشرية أقل.لكن الخطأ الاستراتيجي هو النظر إلى المسيرات باعتبارها بديلاً كاملاً للطائرات المأهولة.فالأصح هو بناء تكامل بين النوعين.

فالطائرة المأهولة تمتلك قدرات ومدى وحمولة ومرونة لا تزال ضرورية، بينما تستطيع المسيرة توفير الاستطلاع المستمر والعمل في بيئات عالية المخاطر.ومن ثم فإن المستقبل ينبغي أن يتجه نحو مفهوم:

المقاتلة المأهولة التي تعمل مع سرب من الأنظمة غير المأهولة، وليس المقاتلة التي تعمل وحدها.

الصيانة والاستدامة: القوة التي لا يراها أحد

هناك جانب آخر لا يقل أهمية عن الطيار والطائرة: الصيانة.فالقوة الجوية قد تمتلك عشرات الطائرات، لكن إذا كانت نسبة كبيرة منها خارج الخدمة بسبب العقوبات ونقص قطع الغيار أو ضعف الصيانة أو غياب التأهيل الفني، فإن الرقم لا يعكس القوة الحقيقية.

ولهذا ينبغي أن يكون من أولويات إعادة البناء بعد الحرب:

الصيانة الوطنية، وإعادة التأهيل، وتوفير قطع الغيار، وتطوير الورش، وتأهيل المهندسين والفنيين.

والأهم هو الانتقال تدريجياً من الاعتماد الكامل على الخارج إلى بناء قدرة سودانية متنامية على الصيانة والإصلاح وإعادة التأهيل.

فالدولة التي تستطيع إصلاح طائرتها تملك قدراً أكبر من الاستقلال الاستراتيجي من الدولة التي تستطيع شراء الطائرة لكنها لا تستطيع إبقاءها في الخدمة.

من المستهلك إلى الشريك والمطور

المستقبل الأبعد ينبغي أن يتجاوز مجرد شراء السلاح.السودان يحتاج إلى بناء قاعدة معرفية وتقنية تسمح له بالانتقال تدريجياً من:

المشتري → المستخدم → الصائن → المطور → الشريك الصناعي.

ولا يعني ذلك القفز مباشرة إلى تصنيع المقاتلات، وهو أمر مكلف ومعقد، وإنما البدء بما هو أكثر واقعية:

قطع الغيار، أنظمة الاتصالات، الإلكترونيات، البرمجيات، أجهزة الاستشعار، أنظمة المحاكاة، وصيانة الطائرات، ثم تطوير وتصنيع بعض أنواع الطائرات المسيرة.

وهذه المجالات يمكن أن تكون مدخلاً حقيقياً إلى صناعة جوية سودانية في المستقبل.

نحو عقيدة جوية سودانية جديدة

إن إعادة بناء القوات الجوية بعد الحرب لا ينبغي أن تكون مجرد تعويض للخسائر.بل ينبغي أن تكون فرصة لإعادة التفكير في العقيدة الجوية نفسها.

والعقيدة المطلوبة ليست بالضرورة عقيدة دولة كبرى، وإنما عقيدة تتناسب مع السودان:

•جغرافيا واسعة.

•حدود طويلة ممتدة بكل مخاطرها.

•بيئات عمليات متنوعة.

•حاجة إلى النقل والإمداد الجوي.

•حاجة كبيرة إلى الاستطلاع والمراقبة.

•تهديدات غير تقليدية.

•أهمية متزايدة للطائرات المسيرة.

•ضرورة حماية المنشآت الحيوية.

•محدودية الموارد مقارنة بحجم الاحتياجات.

وهذا يعني أن الأولوية ينبغي أن تكون لـ القوة الجوية الذكية والمرنة والمستدامة، لا القوة الجوية التقليدية الضخمة والمكلفة.

القوات الجوية وما بعد الحرب

بعد توقف الحرب، ستكون أمام السودان فرصة تاريخية لإعادة بناء مؤسساته العسكرية على أساس الخبرة التي راكمتها الحرب، لا على أساس العودة إلى ما قبل 15 أبريل 2023.

وهنا يمكن للقوات الجوية أن تصبح إحدى المؤسسات الرائدة في مشروع التحديث العسكري الوطني.ويمكن أن يشمل ذلك:

إعادة تأهيل القواعد الجوية، تحديث التدريب، بناء مراكز محاكاة، تطوير المسيرات، تعزيز الاستطلاع الجوي، تحديث الاتصالات والقيادة والسيطرة، تطوير الحرب الإلكترونية، رفع كفاءة الصيانة، وتوسيع الشراكات الاقليمية والدولية في التدريب والتكنولوجيا.

والهدف النهائي ليس الدخول في سباق تسلح إقليمي، وإنما بناء قدرة وطنية رادعة تحمي السودان وتخدم أمنه القومي.

في عيد الجيش: تحية إلى الذين يحرسون السماء

في أعياد الجيش السوداني، لا ينبغي أن نحتفي فقط بالطائرات التي عبرت السماء، وإنما بالرجال الذين جعلوا ذلك ممكناً.بالطيار الذي أقلع وهو يعرف أن عودته ليست مضمونة.

بالفني الذي ظل في الورشة حتى تعود الطائرة إلى الخدمة.

بالمهندس الذي جعل من المعرفة أداة للدفاع.

بالمدرب الذي نقل خبرته إلى جيل جديد.

وبالقائد الذي حمل مسؤولية القرار في أكثر اللحظات صعوبة.

هؤلاء جميعاً ومعاونيهم. هم القوات الجوية.

ولذلك فإن تكريم هذه المؤسسة هو تكريم لأجيال من السودانيين الذين جعلوا من السماء جزءاً من السيادة الوطنية.

خاتمة: من أمجاد السماء إلى سماء المستقبل

إن الوفاء لتاريخ القوات الجوية السودانية لا يكون بالنظر إلى السماء واستعادة أمجاد الأمس فقط، وإنما بالنظر إليها واستشراف سماء الغد.

فالجيل الذي أسس القوات الجوية بعد الاستقلال لم يكن يمتلك التكنولوجيا التي نملكها اليوم، لكنه امتلك الإرادة لبناء مؤسسة وطنية من الصفر.

واليوم تقع على الجيل الجديد مسؤولية مماثلة: أن يحول تراكم سبعة عقود من الخبرة إلى قوة جوية حديثة، وأن يجعل من التضحيات السابقة قاعدة للانطلاق نحو المستقبل.

فالحرب الحالية، بكل ما حملته من خسائر، كشفت أيضاً عن حقيقة استراتيجية مهمة: أن القوة الجوية لم تعد مجرد سلاح للطيران، بل أصبحت منظومة متكاملة من الإنسان والمعلومة والتكنولوجيا والسرعة والدقة والقدرة على الاستمرار.

ولهذا فإن المعركة المقبلة ليست فقط في شراء طائرة أحدث، وإنما في بناء طيار أفضل، وفني أكثر تأهيلاً، ومدرب أكثر احترافاً، ومهندس أكثر قدرة، ومركز قيادة أكثر ذكاءً، وقاعدة أكثر جاهزية، وصناعة وطنية أكثر استقلالاً.

فالسماء لا تحرسها الطائرات وحدها؛ تحرسها العقيدة، والعلم، والتدريب، والتكنولوجيا، والانضباط، والإنسان.

وإذا كانت القوات الجوية السودانية قد أمضت سبعة عقود وهي تحرس سماء الوطن، فإن التحدي أمام جيلها الجديد هو أن يجعل من هذه السماء مجالاً للسيادة في القرن الحادي والعشرين؛ حيث لم تعد المعركة الجوية بين طائرتين فقط، وإنما بين منظومات متكاملة تتنافس في المعلومات والسرعة والدقة والذكاء والقدرة على الاستمرار.

وفي عيد الجيش، تظل التحية واجبة لكل من حمل السودان في جناحيه، ولكل من دفع حياته ثمناً لسيادته، ولكل من لا يزال يؤدي واجبه بوطنية وتفان.

فمنذ أن ارتفعت أجنحة القوات الجوية السودانية فوق أرض الوطن، لم تكن تحرس السماء وحدها؛ كانت تحرس فكرة الدولة نفسها.

والمطلوب اليوم ليس فقط أن تبقى تلك الأجنحة مرفوعة، وإنما أن تكون أقوى عِلماً، وأحدث تدريباً، وأكثر استقلالاً، وأقدر على مواجهة سماء الحروب القادمة.

«إن الوفاء لتاريخ القوات الجوية السودانية لا يكون فقط بحفظ أمجادها، وإنما بتحويل إرثها إلى قدرة مستقبلية؛ فسماء الوطن لا تحميها الطائرات وحدها، بل تحميها عقيدة تتطور، وتدريب يتجدد، وتكنولوجيا تُوطَّن، وإنسانٌ يُبنى. ومن هنا، فإن ترقية منظومة الجو السودانية ليست تحديثاً لسلاح فحسب، بل استثمارٌ استراتيجي في سيادة السودان وقدرته على صناعة مستقبل أمنه الوطني. :

فالمستقبل لا يُبنى بأمجاد السماء وحدها؛ بل بتحويل تلك الأمجاد إلى عقيدة جوية متجددة، وتدريب متقدم، وتكنولوجيا وطنية، وقوة جوية قادرة على أن تحرس سماء السودان اليوم، وتستبق حروب الغد ومشروعات الخارج  ومهدداتها!؟”.

——————

١٨ اغسطس ٢٠٢٦

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى