تقرير – أمير عبدالماجد
قبل أيام خرج أحد قادة مليشيا الدعم السريع في فيديو انتشر على مواقع الـ (سوشال ميديا) حذر فيه من أن الصراع الحالي بين السلامات والبني هلبة لايشبه الصراع القديم وان الامور تطورت جداً بدخول أسلحة حديثة وسيارات دفع رباعي ومصفحات موجودة لدى المقاتلين من الطرفين، وأشار إلى أن الموت الان يحصد العشرات كل يوم وان احداً لم يتدخل بسبب الوحشية التي اصبحت واضحة في الصراع واشار إلى أن الادارات الاهلية التي عقدت الصلح الاخير بين القبيلتين لم تتصل بهم كقادة ميدانيين منخرطين في الصراع ولم تخبرهم حتى انها توصلت إلى اتفاق لايقاف العمليات القتالية، وتساءل كيف ستتوقف العمليات العسكرية بين القبيلتين ما لم تجتمع كل نظارة بمقاتليها وتخبرهم بالاتفاق وبنوده وتطلب منهم التوقف عن القتال وهذا لم يحدث لذا عادت الحرب مرة اخرى وبصورة اكثر ضراوة وهي مستمرة الان وتزداد وحشية في ظل صمت المليشيا التي تشاهد الان دون ان تحرك ساكنا بسبب ضغط العمليات الحربية عليها وحتى ما يسمى بـ (تأسيس) لادور لهم ولا توجد مبادرة من قبلهم لايقاف النزاع بل ان معظمهم يعتقد ان حرب السلامات والبني هلبة لن تتوقف مهما توصلت الوساطات لاتفاقات بينهم وهو ما يقول محمد المكي الباحث في التاريخ السياسي وإبن المنطقة انه غير صحيح فالصراعات من هذا النوع غالباً ما تنتهي باتفاق يوقف القتال الا اذا كان الامر خارج قدرة الاطراف على تجاوزه وهو هنا صراع على الموارد ليس طارئاً ولاجديداً وان زادته الحرب الاخيرة ضراوة ومنحته عمقاً عبر التحولات التي شهدتها دارفور منذ اندلاع الحرب السودانية. فقد أدى انهيار مؤسسات الدولة وتراجع سلطة الإدارة المدنية إلى انتقال إدارة الأمن والنفوذ إلى الفاعلين المحليين المسلحين لتصبح الأرض والمياه ومسارات الرعي جزءاً من معادلة القوة وليست مجرد موارد اقتصادية واضاف (هذا نزاع قديم حول الأرض ومسارات الرعي ومصادر المياه في محيط محلية كُبُم جنوب غربي مدينة نيالا وما بدأ باشتباكات محدودة سرعان ما اتسع نطاقه ليشمل عدداً من القرى والدوامر المنتشرة في جنوب ووسط دارفور، وسط حشود قبلية متزايدة وتدفق مستمر للمقاتلين إلى خطوط المواجهة وخلال الأيام الأولى للقتال سقط عشرات القتلى والجرحى من الجانبين بينما امتدت أعمال العنف إلى المناطق السكنية والأسواق والمرافق الخدمية. وأظهرت التطورات الميدانية تصاعداً لافتاً في مستوى التسليح المستخدم، إذ تحدثت مصادر محلية عن مشاركة آليات عسكرية ومركبات قتالية وطائرات مسيّرة في المعارك، ما أدى إلى ارتفاع أعداد الضحايا واتساع رقعة الدمار) وتابع ( دائرة القتال اتسعت الان بعد حشد مقاتلين من الطرفين على ضفتي وادي روينا، قبل أن تمتد الاشتباكات إلى مناطق جديدة، لتدخل الأزمة مرحلة أكثر عنفاً وتعقيداً. وبحلول يونيو الماضي كانت حصيلة القتال قد ارتفعت بصورة ملحوظة، بينما ظلت قرى بأكملها خالية من سكانها، وسط استمرار عمليات الحشد والاستنفار وتزايد المخاوف من انتقال النزاع إلى مناطق أخرى من دارفور) وكان النزاع قد بلغ ذروته بعد مقتل وإصابة أكثر من 320 شخصاً وفق تقديرات محلية، فضلاً عن إحراق بلدات وقرى كاملة، ونزوح ما يزيد على 10 آلاف شخص وهي احداث أعقبتها سلسلة من اتفاقات الصلح ووقف العدائيات برعاية الإدارات الأهلية وقيادات محلية غير أنها سرعان ما انهارت أمام هشاشة الترتيبات الأمنية وعمق الشكوك المتبادلة لتبقى جذور النزاع قائمة وقابلة للاشتعال مع كل حادثة جديدة ما مهّد الطريق لعودة المواجهات الدامية الأخيرة على نطاق أكثر اتساعاً وعنفاً هذه المرة بدخول اسلحة جديدة فتاكة وعربات مدرعة وخبرات اكتسبها المقاتلون من حرب السودان ويشير الباحث السياسي محمد يقين الى ان الامر لايتعلق فقط بالثارات كما يبدو بل بإعادة ترتيب موازين النفوذ المحلي في جنوب دارفور فكل طرف سعى إلى تأكيد حضوره وسيطرته على مناطق الحركة التقليدية ومجالات الرعي والتجارة في ظل فراغ أمني متزايد وتراجع المرجعيات القادرة على فرض التسويات ومن هذا المنظور فإن الأحداث الأخيرة لم تكن مجرد مواجهة حول حادثة قتل أو نزاع على مورد محلي بل تعبيراً عن أزمة أوسع تتداخل فيها اعتبارات الثأر والموارد والسلطة والهيبة القبلية في لحظة تشهد فيها دارفور واحدة من أكثر مراحلها هشاشة واضاف ( الانتشار الواسع للسلاح وتراكم المظالم المرتبطة بضحايا الحرب أسهم في خلق بيئة مشبعة بالرغبة في الثأر وعدم الثقة المتبادلة بالاضافة طبعاً الى رغبات حتى لدى نظار القبائل في فرض هيبة القبيلة وتأكيد قدرتها في فرض السيطرة على الارض والموارد ما يعقد الوصول الى اتفاقية تنهي الحرب بالاضافة الى عجز مليشيا الدعم السريع حالياً عن فرض تسوية كما كان يحدث في الماضي بسبب الحرب وما تعرضت له قواتها وما تعانيه الان في محاور القتال وهو امر يشغلها تماما ويجعلها تغض الطرف ولا تتدخل في المعارك وان حاولت في مرحلة ما لكنها فشلت واتهمت بموالاة هذا الطرف وذاك وهو امر يجعلها في عين عاصفة لا تود الدخول اليها الان).