أمية يوسف حسن أبوفداية
يمثل قطاع التعليم في أي دولة الركيزة الأساسية لبناء الإنسان وإعادة تشكيل المجتمع بعد الأزمات، غير أن التجربة السودانية خلال سنوات الحرب الأخيرة تكشف صورة مقلقة من التخبط الإداري وضعف التخطيط داخل وزارة التربية والتعليم.
ففي الوقت الذي يعاني فيه السودان من حرب مدمرة أدت إلى نزوح ملايين المواطنين وتعطيل المؤسسات الخدمية، كان من المتوقع أن تتبنى الوزارة سياسات واقعية مرنة تراعي هذه الظروف الاستثنائية، إلا أن القرارات الأخيرة تشير إلى غياب رؤية استراتيجية متماسكة لإدارة ملف التعليم في هذه المرحلة الحرجة.
لقد أدت الحرب التي اندلعت في السودان منذ عام 2023 إلى تدمير جزء كبير من البنية التحتية التعليمية، وتعطيل آلاف المدارس، ونزوح أعداد ضخمة من الطلاب والمعلمين. وتشير تقارير منظمات دولية مثل اليونسكو (UNESCO) واليونيسف (UNICEF) إلى أن ملايين الأطفال السودانيين أصبحوا خارج مقاعد الدراسة، كما أن عدداً كبيراً من المدارس تحول إلى مراكز إيواء للنازحين، وهو ما خلق بيئة تعليمية بالغة الصعوبة والتعقيد .
وفي ظل هذه الظروف، تواجه العملية التعليمية تحديات إضافية، من بينها تأخر مرتبات المعلمين لفترات طويلة قاربت في بعض الحالات ثلاث سنوات، وهو وضع يهدد استقرار الكادر التعليمي ويضعف قدرة النظام التعليمي على جذب الكفاءات. وتؤكد دراسات تربوية عديدة أن جودة التعليم ترتبط ارتباطاً مباشراً بجودة المعلم واستقراره المهني والاقتصادي .
ومع هذه التحديات، فاجأت وزارة التربية والتعليم الرأي العام بقرار تحديد أعمار معينة للطلاب المتقدمين لامتحانات الشهادتين الابتدائية والمتوسطة، بدعوى تحسين مستوى التحصيل الدراسي. غير أن هذا القرار يثير تساؤلات جوهرية حول جدواه في ظل الواقع التعليمي الراهن. فالمعيار الحقيقي لقياس التحصيل الأكاديمي هو نتائج الامتحانات النهائية ومستوى الأداء العلمي للطلاب، وليس العمر الزمني بحد ذاته، خاصة في سياق استثنائي شهد انقطاع الدراسة ونزوح الأسر وتفاوت فرص التعليم بين المناطق.
وتشير الأدبيات التربوية الحديثة إلى أن نظم التعليم الفعالة تركز على تكافؤ الفرص التعليمية ، خصوصاً في البيئات المتأثرة بالصراعات. لذلك فإن فرض قيود عمرية صارمة قد يؤدي إلى حرمان عدد كبير من الطلاب الذين تعطلت دراستهم بسبب الحرب من فرصة إكمال تعليمهم.. وتعطيل آخرين إجتهدت أسرهم فى البحث عن ظروف افضل .
في المقابل، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة ترتيب أولويات الإصلاح التعليمي في السودان وفق رؤية أكثر واقعية وشمولاً. ويمكن تلخيص أبرز الخطوات الضرورية في أربعة محاور أساسية :
أولاً، إيقاف طباعة المنهج الجديد مؤقتاً إلى حين استكمال مراجعته بصورة علمية ومنهجية. فإعداد المناهج الدراسية عملية معقدة تتطلب مشاركة خبراء التربية وعلم النفس التربوي ومختصي المواد العلمية، إضافة إلى اختبار المناهج ميدانياً قبل اعتمادها النهائي. وتشير التجارب الدولية إلى أن نجاح المناهج يعتمد على وضوح الفلسفة التربوية التي تقوم عليها، وعلى قدرتها على بناء القيم والمهارات الأساسية لدى الطلاب.
وفي هذا الإطار، يمكن تطوير منهج متوازن يعزز التأسيس القيمي والأخلاقي في المراحل المبكرة من التعليم مبنى على العناية بتعليم اللغة العربية وحفظ القرآن الكريم في مرحلة رياض الأطفال والتعليم الابتدائي، إلى جانب تحديث مناهج العلوم والرياضيات بما يواكب التجارب التعليمية المتقدمة في دول مثل فنلندا وكوريا الجنوبية واليابان، التي حققت نتائج متقدمة في الاختبارات الدولية .
ثانياً، معالجة أزمة مرتبات المعلمين بصورة عاجلة. فالمعلم هو محور العملية التعليمية، وأي إصلاح حقيقي يبدأ بتحسين أوضاعه المهنية والمعيشية. وقد أثبتت التجارب العالمية أن رفع مستوى الأجور والتدريب المستمر يسهم في جذب الكفاءات إلى مهنة التعليم وتحسين جودة التعلم.
ثالثاً، ترك مسألة أعمار الطلاب لظروف الأسر وقدرة الطلاب على الاستيعاب، خاصة في ظل أوضاع النزوح وعدم الاستقرار. فالمرونة في السياسات التعليمية تعد ضرورة في فترات الأزمات، لضمان عدم حرمان الطلاب من حقهم الأساسي في التعليم.
رابعاً، الاستمرار مؤقتاً في العمل بالمنهج القديم إلى حين انتهاء لجنة مراجعة المناهج من عملها، وتجريب المنهج الجديد ميدانياً قبل اعتماده رسمياً ثم طباعته، وهو إجراء معمول به في كثير من الأنظمة التعليمية لضمان جودة المحتوى وفاعليته.
إن إصلاح التعليم في السودان لا يمكن أن يتم عبر قرارات متسرعة أو إجراءات شكلية، بل يحتاج إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى تعيد بناء النظام التعليمي على أسس علمية ومؤسسية. فالتعليم هو الاستثمار الحقيقي لأي دولة تسعى إلى النهوض بعد الحروب والأزمات، وأي خلل في إدارته سيؤثر على مستقبل الأجيال القادمة.