د. إسماعيل ساتي
ليست مراسم الاستقبال تفصيلاً بروتوكولياً عابراً، ولا مشهداً تجميلياً لعدسات الكاميرات. البروتوكول الدبلوماسي لغة سياسية صامتة، تُقال فيها الرسائل بلا كلمات: من يستقبلك في المطار؟ هل تُفرش السجادة الحمراء؟ هل يصطف حرس الشرف؟ هل يُعزف النشيد الوطني؟ لكل حركة معنى، ولكل غياب دلالة.
حين يزور رئيس دولة دولة أخرى، فإن التكريم لا يُمنح لشخصه، بل للمنصب الذي يجسد سيادة بلاده. ومن ثمّ، فإن أي تخفيض في مستوى الاستقبال لا يُقرأ باعتباره موقفاً شخصياً من الزائر، بل مؤشراً على كيفية نظر الدولة المضيفة إلى موقع الدولة الزائرة في ميزان السياسة الإقليمية.
في هذا السياق يبرز سؤال مؤلم: لماذا تبدو بعض زيارات المسؤولين السودانيين في الإقليم أقل مستوى من المعتاد لرؤساء الدول؟ ولماذا يُستقبل رأس الدولة أحياناً بما دون المستوى الذي يُمنح لنظرائه؟
البروتوكول مرآة للواقع السياسي:
من يتابع تجارب المنطقة يلاحظ أن الدول تُستقبل وفق وزنها السياسي واستقرارها الداخلي، لا وفق تاريخها أو عواطف الآخرين تجاهها. الدولة المستقرة، ذات المؤسسات الفاعلة والاقتصاد المنضبط والرؤية الواضحة، تُعامل بوصفها شريكاً كاملاً. أما الدولة التي تعيش غموضاً في الشرعية المؤسسية أو اضطراباً في القرار، فإن التعامل معها يصبح حذراً ومتحفظاً.
السودان، خلال السنوات السبع الأخيرة، قدّم صورة مرتبكة عن نفسه: فوضى سياسية تكاد تحجب الرؤية، مؤسسية شرعية غائبة، صراع عسكري دموي، وتضارب في الخطاب الخارجي. في مثل هذا المناخ، يصبح من الطبيعي أن تعكس البروتوكولات هذا الارتباك.
إن استقبال عبدالفتاح البرهان او كامل إدريس أو أي مسؤول سوداني آخر لا يُقاس بميزان العواطف، بل بميزان المعادلات السياسية القائمة: مدى الاعتراف بشرعية المؤسسات، مدى القدرة على تنفيذ الالتزامات، مدى استقرار الداخل، ومدى وضوح الشريك الذي تتعامل معه الدول.
بين الرمزية والسيادة:
السيادة ليست شعاراً يُرفع في الخطب، بل قدرة فعلية على فرض الاحترام في العلاقات الدولية. حين تتراجع مؤسسات الدولة، وتُدار الخلافات الداخلية بمنطق الغلبة لا بمنطق التوافق، فإن الرسالة التي تصل إلى الخارج تكون واضحة: هذه دولة لم تحسم أمرها بعد.
الدول في الإقليم تتعامل ببراغماتية شديدة. هي لا تعادي أحداً مجاناً، لكنها أيضاً لا تمنح رمزية كاملة لدولة لا تملك استقراراً كاملاً. لذلك فإن أي قراءة منصفة لمستوى الاستقبال لا بد أن تبدأ من الداخل السوداني قبل أن تتهم الخارج بسوء النية أو التعالي.
الأزمة في الداخل قبل المطار:
من السهل أن نغضب من مشهد بروتوكولي باهت، لكن الأصعب أن نسأل: ماذا فعلنا نحن لنعيد هيبة الدولة؟
•هل لدينا مؤسسات مدنية تعمل تحت مظلة دستورية واضحة؟
•هل خطابنا الخارجي واضح أم باهت؟
•هل اقتصادنا يمنحنا وزناً تفاوضياً؟
•هل نُصدر للعالم صورة دولة متماسكة أم ساحة نزاع مفتوح؟
الهيبة لا تُستورد من عاصمة أخرى، ولا تُفرض بالسجادة الحمراء. الهيبة تُبنى عبر استقرار سياسي، ووضوح في الشرعية، واحترام داخلي للقانون، وقدرة على إدارة الخلافات ضمن إطار الدولة لا خارجها.
قراءة بعيدة عن الانفعال:
ليس من الحكمة تحويل كل تفصيل بروتوكولي إلى معركة كرامة، ولا من الموضوعية تجاهل دلالاته تماماً. القراءة الرصينة تقتضي الاعتراف بأن البروتوكول انعكاس لموازين القوى والشرعية، لا سبب لها.
إذا أردنا أن يتغير مشهد الاستقبال في مطارات الإقليم، فعلينا أولاً أن نغير مشهد الدولة في الداخل. فالدول تُستقبل كما تُعرّف نفسها. وعندما يستعيد السودان وحدته المؤسسية واستقراره السياسي، لن يحتاج إلى المطالبة بالندية؛ ستكون الندية نتيجة طبيعية لا منة من أحد.