مهند عوض محمود
(المشهد السوداني يُعاد تشكيله عبر توزيع عملي للأدوار بين مؤسسات الدولة والقوى السياسية في ظل غياب قيادة مدنية جامعة).
يمر السودان بمرحلة حساسة يُعاد فيها ترتيب الأدوار داخل الدولة، في ظل ظروف معقدة تشكلت نتيجة المسار الذي أعقب ما يُسمى بثورة ديسمبر، وما صاحبه من اختلالات في إدارة المرحلة الانتقالية وغياب التوافق السياسي، الأمر الذي أسهم في تعميق الهشاشة التي تفاقمت لاحقاً مع اندلاع الحرب.
في هذا السياق، برز دور الفريق أول عبد الفتاح البرهان بشكل أوضح من أي وقت مضى. وبحكم غياب مركز سياسي مدني قوي، أصبح العبء الأكبر في إدارة التوازنات داخل الدولة واقعاً عليه، سواء في الملفات الأمنية أو السياسية أو في التعامل مع الخارج.
يمكن فهم هذه الحالة من خلال معادلة واضحة:
البرهان يريد جيشاً يقاتل معه، ومدنيين يديرون الحراك السياسي داخلياً وخارجياً، وإسلاميين يستفيد منهم دون أن يدخل في استقطاب سياسي حاد. لكن هذه المعادلة لم تظهر من فراغ، بل جاءت نتيجة لغياب جهة مدنية قادرة على جمع القوى السياسية وتنظيم المشهد. وهنا يبرز موقع حكومة كامل إدريس، التي جاءت أساساً كحكومة خدمات تهدف إلى تحسين معاش الناس والتعامل مع آثار الحرب، وليس كحكومة سياسية تقود مرحلة انتقالية كاملة.
غير أن الواقع أثبت أن العمل الخدمي لا يمكن فصله عن المناخ السياسي؛ فلا يمكن تحسين الاقتصاد أو إدارة الدولة بكفاءة في بيئة غير مستقرة. وبسبب محدودية تأثير الحكومة في هذا الجانب، انعكس ذلك على قدرتها في تنفيذ مهامها، رغم أن هذا لم يكن دورها الأساسي.
النتيجة كانت ظهور فراغ في إدارة الحركة السياسية. هذا الفراغ لم يستمر طويلاً، بل بدأت أطراف دولية وإقليمية في ملئه تدريجياً. جهات مثل الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والإيغاد، ومعها أدوار أقل لجهات مثل جامعة الدول العربية، إضافة إلى منظمات متخصصة في الوساطة مثل Pro Mediation، بدأت تنظم لقاءات وتطرح منصات وتدعو أطرافاً سياسية للنقاش حول مستقبل السودان.
وهنا تغير شكل المشهد؛ فلم يعد السؤال فقط من يشارك، بل من الذي يحدد من يشارك، وهو ما يعكس بوضوح أثر غياب مركز وطني يقود العملية السياسية من الداخل.
في ظل هذا الوضع، تشكّل توزيع عملي للأدوار داخل الدولة؛ الجيش يركز على حفظ الأمن والاستقرار وضبط الإيقاع العام؛ القوى المدنية تتحرك في المجال السياسي داخلياً وخارجياً عبر المنصات المختلفة؛ بينما تظل قوى أخرى فاعلة في الواقع الميداني والاجتماعي، بما يشمل بعض الحركات المسلحة، لا سيما تلك المنضوية ضمن تحالفات مثل الكتلة الديمقراطية، إلى جانب قوى أخرى خارج هذه الأطر، والإدارات الأهلية، وبعض الكيانات السياسية ذات الامتداد المجتمعي، تؤثر في التوازنات على الأرض دون أن تتصدر الواجهة السياسية أو المنصات التي يُدار عبرها الحوار.
وهذه القوى، رغم أنها لا تظهر في الواجهة، إلا أن تأثيرها على الأرض حاسم؛ وأي ترتيبات سياسية لا تستصحبها بشكل حقيقي قد تواجه صعوبات كبيرة في التنفيذ، خاصة إذا جاءت عبر منصات خارجية أو عبر توافقات محدودة بين بعض القوى السياسية فقط.
لذلك، فإن أي مسار مستقر لا يمكن أن يقوم على تمثيل جزئي، بل يحتاج إلى إشراك أوسع يعكس الواقع كما هو، ويأخذ في الاعتبار موازين القوة والتأثير داخل المجتمع. في النهاية، ما يحدث اليوم هو محاولة للحفاظ على توازن دقيق في ظروف معقدة. لكن هذا التوازن سيظل مؤقتاً ما لم يتحول إلى مسار سياسي أكثر تنظيماً وشمولاً، ينطلق من الداخل، ويجمع مختلف القوى، ويحدد أولويات المرحلة بوضوح، مع الاستفادة من الدعم الخارجي كعامل مساعد لا كبديل عن الإرادة الوطنية.
فاستقرار الدولة لا يقوم فقط على حفظ الأمن، بل على تنظيم السياسة أيضاً؛ ولا يتحقق ذلك إلا عبر حوار وطني شامل يستوعب الجميع، ويضمن مشاركة حقيقية لكل القوى المؤثرة، بما يعزز فرص نجاح أي ترتيبات قادمة ويحولها من اتفاقات على الورق إلى واقع قابل للتنفيذ.