تقارير

هل ينجح التحول الرقمي في إنقاذ الاستثمار بالسودان؟

ترخيص المشروعات إلكترونياً عبر منصة «بلدنا» يفتح نافذة أمل في اقتصاد أنهكته الحرب*

تقرير : انتصار فضل الله

في بلد أنهكته سنوات الحرب، وأثقلت كاهله التعقيدات الإدارية وتراجع البنية المؤسسية، يبرز التحول الرقمي كأحد أهم مسارات الإصلاح الاقتصادي الممكنة. وفي هذا السياق، أعلن الجهاز القومي للاستثمار عن إطلاق خدمة ترخيص المشروعات الاستثمارية للأفراد إلكترونياً عبر منصة «بلدنا» الوطنية، في خطوة وُصفت بأنها الأجرأ منذ سنوات لإعادة ترتيب المشهد الاستثماري في السودان.

لكن، هل تكفي الرقمنة وحدها لإعادة الثقة للمستثمرين؟ وهل يملك السودان المقومات اللازمة لتحويل هذه الخطوة إلى تحول اقتصادي حقيقي؟

خطوة جريئة في توقيت حرج

الأستاذة أحلام مدني مهدي، الأمين العام للجهاز القومي للاستثمار، أعلنت اكتمال الربط الشبكي للمعاملات الاستثمارية، مؤكدة أن الخدمة الجديدة تمكّن المستثمرين من تقديم طلبات الترخيص، وإدخال البيانات، وإرفاق المستندات، ومتابعة الإجراءات بصورة إلكترونية كاملة.

وتقول أحلام في تصريحها إن “التحول الرقمي أصبح خياراً استراتيجياً لا بديل عنه لتسريع الإجراءات، ورفع كفاءة الأداء المؤسسي، وتحسين بيئة الاستثمار، بما يسهم في جذب الاستثمارات الوطنية والأجنبية، ودعم جهود إعادة الإعمار”.

ويعد هذا التطور، وفق مختصين، نقلة من نظام إداري تقليدي مثقل بالروتين، إلى منظومة رقمية أكثر مرونة وشفافية.

الاستثمار في زمن الحرب: تحديات مركبة

منذ اندلاع الحرب، تعرض قطاع الاستثمار في السودان لضربات قاسية، تمثلت في توقف آلاف المشروعات، وخروج رؤوس أموال كبيرة، وتراجع ثقة المستثمرين، إلى جانب تدمير واسع للبنية التحتية والمؤسسات الاقتصادية.

ويؤكد خبراء أن إعادة بناء الثقة لا تتحقق فقط عبر الحوافز المالية، بل تبدأ بإصلاح بيئة الأعمال، وعلى رأسها تبسيط الإجراءات، ومحاربة البيروقراطية، وتوفير الخدمات الإلكترونية.

الخبير الاقتصادي د. حسن الريح يرى أن “إطلاق خدمات الترخيص الإلكتروني يمثل رسالة طمأنة قوية للمستثمرين بأن الدولة ماضية في إصلاح مناخ الأعمال، رغم الظروف الصعبة”، مضيفاً خلال إفادة ل”ايلاف” أن “التجارب العالمية أثبتت أن الرقمنة تقلل زمن الإجراءات بنسبة تصل إلى 60%”.

من المكاتب إلى المنصات: رحلة المستثمر الجديدة

في السابق، كان المستثمر يقطع عشرات الكيلومترات، ويقضي أسابيع وربما أشهراً في ملاحقة الأوراق والتوقيعات. أما اليوم، فتبدو الصورة مختلفة. وفقا لحديث المستثمر الشاب أحمد عبد الله، أحد أوائل المستفيدين من الخدمة الجديدة، يقول ل”إيلاف” : “أنهيت إجراءات تقديم الطلب خلال أقل من ساعة، وتابعت معاملتي خطوة بخطوة دون الحاجة لمراجعة المكاتب. هذه تجربة غير مسبوقة في السودان”.

أما رائدة الأعمال سهام بابكر عثمان، فترى أن الخدمة تمثل “فرصة حقيقية لتشجيع النساء والشباب على دخول عالم الاستثمار دون رهبة التعقيدات الإدارية”.

هل تكفي الرقمنة وحدها؟

رغم الإشادة الواسعة بالمبادرة، يحذر مختصون من الإفراط في التفاؤل، مؤكدين أن الرقمنة خطوة مهمة لكنها غير كافية وحدها.

ويقول الخبير في شؤون التنمية الاقتصادية أ. عادل عبد الرحمن: “نجاح التحول الرقمي مرهون باستقرار السياسات الاقتصادية، وتوفر الكهرباء والإنترنت، وضمان الأمن، فالمستثمر لا ينظر فقط للإجراءات بل لمنظومة متكاملة”.

ويضيف أن “التحدي الحقيقي يكمن في استدامة الخدمة، وتحديثها المستمر، وضمان شمولها لكل الجهات ذات الصلة بالاستثمار”.

بين التعافي والإعمار: رهانات المرحلة القادمة

يسعى الجهاز القومي للاستثمار، بحسب تصريحاته، إلى جذب المزيد من الاستثمارات الوطنية والأجنبية، والمساهمة في تعمير ما دمرته الحرب، وهي مهمة شاقة في ظل واقع اقتصادي هش.

لكن مراقبين يرون أن إدخال الخدمات الاستثمارية ضمن منظومة رقمية موحدة قد يمثل حجر الأساس لتعافٍ اقتصادي تدريجي، يعيد تدوير عجلة الإنتاج، ويوفر فرص عمل، ويدعم الاستقرار الاجتماعي.

خطوة جريئة

يمثل إطلاق خدمة الترخيص الإلكتروني للمشروعات عبر منصة «بلدنا» خطوة جريئة في طريق طويل نحو إصلاح بيئة الاستثمار بالسودان. ورغم أن التحديات ما زالت قائمة، إلا أن هذه الخطوة تفتح نافذة أمل حقيقية في إعادة بناء الثقة، وجذب رؤوس الأموال، وتحريك الاقتصاد في مرحلة ما بعد الحرب.

ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح هذه التجربة في إحداث اختراق حقيقي في جدار الأزمة الاقتصادية، أم أنها ستظل مجرد مبادرة جيدة تصطدم بواقع معقد؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى