الاحداث:ماجدة حسن
أعاد الجدل الدائر في الأوساط الثقافية السودانية طرح سؤال ظل حاضراً عبر عقود: هل تنتهي مسؤولية الفنان عند إنتاج الأغنية أو العمل الدرامي، أم أن تأثيره الجماهيري يفرض عليه دوراً يتجاوز الترفيه إلى المشاركة في القضايا الوطنية والإنسانية؟
وتزايد هذا النقاش بصورة لافتة منذ اندلاع الحرب في السودان، حيث انقسم الفنانون والمثقفون بين من رأى أن على الفنان اتخاذ موقف واضح تجاه ما يجري، وبين من اعتبر أن الفن يجب أن يبقى مساحة للسلام والجمال بعيداً عن الاستقطاب السياسي، خشية أن يتحول الإبداع إلى أداة للدعاية أو الانقسام.
وفي خضم هذا الجدل، قال الشاعر والملحن هيثم عباس إن حصر دور الفنان في الترفيه وإبعاده عن القضايا الوطنية يمثل أحد أسوأ أشكال “التطبيع الثقافي”، معتبراً أن الفنان مواطن قبل أن يكون نجماً، ومن حقه أن يعبر عن قضايا وطنه، وأن يسهم في تشكيل الوعي العام.
وأوضح عباس أن الحرب شهدت انتشار خطاب يدعو إلى قصر دور الفنان على الغناء للحب والجمال والسلام، مع رفض إبدائه لأي موقف تجاه القضايا الوطنية، وهو ما اعتبره انتقاصاً من قيمة الفن ورسائله التاريخية.
وأضاف أن الفنان، شأنه شأن بقية أفراد المجتمع، يتحمل مسؤولية أخلاقية تجاه مجتمعه، وأن تأثيره الواسع يمنحه القدرة على نشر الوعي عندما يستند إلى المعرفة والموضوعية، وليس إلى الانفعال أو الخطابات الشعبوية.
وفي المقابل، حذر عباس من أن دخول بعض الفنانين إلى الشأن العام دون امتلاك المعرفة الكافية أو الإحاطة بالوقائع قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويسهم في ترسيخ صورة سلبية عن مشاركة الفنان في القضايا العامة، مؤكداً أن المشكلة ليست في إبداء الرأي، وإنما في مدى مسؤوليته واستناده إلى معلومات ورؤية واضحة.
ويشير عدد من الباحثين في الدراسات الثقافية إلى أن علاقة الفن بالقضايا الوطنية ليست جديدة، فقد لعب الفن في العديد من دول العالم أدواراً بارزة في مقاومة الاستعمار، ومناهضة التمييز، والدفاع عن الحريات، وتوثيق ذاكرة الشعوب. كما ارتبطت كثير من الأغنيات الوطنية والأعمال المسرحية والسينمائية بمحطات تاريخية، وأصبحت جزءاً من الوجدان الجمعي.
وفي السودان، ظل الفن حاضراً في محطات سياسية واجتماعية عديدة، وأسهمت الأغنيات الوطنية في التعبير عن تطلعات المواطنين، بينما وثقت الأعمال الدرامية والأدبية تحولات المجتمع وقضاياه، ما جعل الفنان يؤدي أدواراً تتجاوز حدود المسرح أو منصة الغناء.
في المقابل، يرى آخرون أن الفنان ليس ملزماً باتخاذ موقف سياسي، وأن من حقه اختيار المسافة التي يريدها من الأحداث، محذرين من تحويل الإبداع إلى معيار للحكم على المواقف السياسية، أو مطالبة الفنانين جميعاً بتبني خطاب واحد، لأن ذلك قد يقيد حرية الإبداع والتعبير.
ويرى مراقبون أن التحدي الحقيقي لا يكمن في مشاركة الفنان في الشأن العام من عدمها، بل في كيفية هذه المشاركة، بحيث تقوم على المعرفة، واحترام التعدد، والابتعاد عن خطاب الكراهية والتحريض، مع الحفاظ على استقلالية الفن وقدرته على بناء الجسور بين مكونات المجتمع.
وبين الدعوة إلى التزام الفنان بقضايا وطنه، والتمسك باستقلال الفن عن الصراعات السياسية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يستطيع الفنان أن يظل محايداً في أوقات الأزمات، أم أن تأثيره الجماهيري يجعل من الصعب فصل الإبداع عن المسؤولية المجتمعية؟ وهو سؤال يبدو أنه سيظل حاضراً كلما واجهت المجتمعات لحظات مفصلية تتطلب من المثقفين والفنانين تحديد موقعهم من الأحداث.