رأي

هل يحتاج السودان إلى غسيل؟ (2) (من مراجعة الذاكرة والوعي إلى إعادة بناء الدولة والمجتمع والإنسان)

موطئ قلم

د. أسامة محمد عبدالرحيم

في الجزء الأول من هذا المقال، بدأ السؤال عن «الغسيل» من الداخل؛ من الذاكرة السياسية التي تحتاج إلى التحرر من الانتقائية، ومن اللغة التي أثقلها التخوين والإقصاء، ومن منظومة القيم والسلوك العام، والوعي الذي يحدد علاقة المواطن بوطنه ودولته وقانونه، وصولاً إلى الاقتصاد وما تراكم فيه من اختلالات الريع والفساد وضعف الإنتاج. غير أن مراجعة الداخل، على اتساعها، لا تكفي وحدها لفهم ما جرى للسودان ولا لبناء ما ينبغي أن يكون عليه. فثمة دوائر أخرى تتصل بعلاقة البلاد بالخارج، واستقلال الإرادة الوطنية، ومؤسسات الدولة، والإعلام والتعليم، وآثار الحرب، ومفهوم السياسة نفسه، ثم المسؤولية التي تقع على المجتمع والمواطن. ومن هنا يستمر الغسيل، تمهيداً لما هو أهم منه: البناء.

ولا يمكن لهذه المراجعة أن تتوقف عند الداخل، فالسودان يحتاج كذلك إلى إعادة فحص علاقته بالخارج. فالموقع الجيوسياسي الذي كان يفترض أن يكون أحد أهم مصادر قوة السودان تحول في مراحل مختلفة إلى أحد أبواب الضغط عليه والتدخل في شؤونه والتنافس على موارده وموقعه. وليس المطلوب الانغلاق على العالم، وإنما بناء سياسة خارجية تنطلق من المصلحة الوطنية، وتدرك قيمة البحر الأحمر، والجوار الأفريقي، والامتداد العربي، وموقع السودان بين أقاليم شديدة الحساسية؛ بحيث يتحول الموقع من ساحة تتقاطع فوقها مصالح الآخرين إلى رصيد استراتيجي تديره الدولة لمصلحة شعبها.

وهذا أيضاً نوع من الغسيل، يتمثل في غسيل علاقتنا بالخارج من الارتهان وردود الأفعال والاستقطابات، والانتقال إلى سياسة دولة تعرف مصالحها، وتنوع شراكاتها، وتحسن إدارة جوارها، وتدرك ما تملك من أوراق قبل أن تسأل الآخرين عما يمكن أن يقدموه لها.

ولا يقتصر الأمر على علاقة الدولة بالخارج؛ فثمة جانب آخر يحتاج إلى مراجعة أكثر صراحة، يتعلق بعلاقة بعض القوى والنخب والأفراد السودانيين بالقوى الخارجية. فمن حق القوى السياسية والمدنية أن تبني علاقات إقليمية ودولية، وأن تعرض رؤاها ومواقفها وتتواصل مع العالم، لكن الخط الفاصل ينبغي أن يبقى واضحاً بين العلاقة التي تخدم المصلحة الوطنية، والعلاقة التي تجعل الخارج مدخلاً للحصول على السلطة أو المال أو النفوذ، أو أداة للاستقواء على الخصوم في الداخل.

وقد دفعت التجربة السودانية ثمناً باهظاً كلما تحولت الخلافات الوطنية إلى أبواب تدخل منها مصالح الآخرين، أو أصبح بعض السودانيين مستعدين لتقديم مصلحة دولة أو جهة خارجية على مصلحة بلادهم، أو ارتبط المال والسلاح والدعم السياسي والإعلامي بمواقف ومشروعات داخلية. وهنا يصبح الغسيل المطلوب غسيلاً لمفهوم الولاء الوطني نفسه؛ أن يختلف السوداني مع حكومته أو جيشه أو حزبه أو خصومه كما يشاء، وأن يعارضهم بكل الوسائل المشروعة، لكن من داخل سقف المصلحة الوطنية، ودون أن يتحول خلافه معهم إلى جسر تعبر فوقه أجندات الخارج إلى داخل السودان.

فالأوطان التي تصبح صراعاتها الداخلية قابلة للاستثمار الخارجي تفقد بالتدريج جزءاً من قرارها الوطني. ولذلك فإن بناء السودان القادم يحتاج إلى قاعدة أخلاقية وسياسية واضحة؛ حيث لا مال أجنبي خفي لشراء المواقف، ولا سلاح من الخارج لفرض الخيارات السياسية، ولا استقواء بدولة أجنبية على أبناء الوطن، ولا قبول بأن يصبح السوداني وكيلاً لمصلحة غير سودانية على حساب بلاده. فالسيادة لا تحميها الحدود والجيوش وحدها؛ يحميها أيضاً استقلال الإرادة الوطنية.

ثم تأتي مؤسسات الدولة، وهي في قلب أي مشروع للإصلاح. المطلوب تخليصها من آثار الولاءات السياسية والجهوية والشخصية، وإعادة الاعتبار لمفهوم الخدمة العامة. فالدولة التي تتغير مؤسساتها بتغير الحكومات لا تستطيع بناء تراكم وطني، والمؤسسة التي يصبح الانتماء السياسي أو الاجتماعي مدخلاً إليها تفقد من مهنيتها كلما اتسعت دائرة التسييس.

وهنا تصبح الخدمة المدنية والقضاء والتعليم والجامعات والأجهزة العدلية والاقتصادية والمؤسسات النظامية جزءاً من مشروع إصلاح وطني طويل يقوم على المهنية والكفاءة والقانون والمساءلة.

ولا تكتمل هذه المراجعة من دون أن تصل إلى الإعلام والثقافة، حيث تُصنع الصور والروايات ويتشكل جانب كبير من الوعي العام. فالإعلام ليس مرآة للأزمة فقط؛ قد يصبح جزءاً من صناعتها إذا تحول إلى منصة للتحريض والتضليل ونشر الشائعات والكراهية والعنصرية. وتجربة الحرب أثبتت مقدار الخطر الذي يمكن أن تصنعه الكلمة حين تنفصل عن المسؤولية.

نحتاج إلى إعلام يعيد الاعتبار للحقيقة والخبر المهني واللغة التي تجمع السودانيين، وإلى ثقافة تحتفي بتنوع السودان دون تحويل هذا التنوع إلى جزر متخاصمة، وإلى فضاء رقمي أكثر وعياً، بعدما أصبح الهاتف المحمول واحداً من أهم أدوات تشكيل العقل والاتجاهات والمواقف.

أما التعليم، فهو المغسلة الكبرى التي يبدأ منها الإصلاح الحقيقي. فالمدرسة والجامعة لا ينبغي أن تنتجا شهادة فقط، وإنما مواطناً يعرف وطنه وتاريخه وتنوعه، ويحترم العمل والقانون والاختلاف، ويملك القدرة على التفكير والنقد والإبداع. وما لم يُصلح السودان التعليم، سيظل يعيد إنتاج كثير من أزماته جيلاً بعد جيل.

لكن الغسيل الأصعب ربما يكون غسيل آثار الحرب من النفوس. فالحرب التي انفجرت في الخامس عشر من أبريل 2023م لم تدمر المباني والمنشآت والبنية الأساسية وحدها؛ لقد تركت جروحاً عميقة في العلاقات بين الناس، وأعادت إلى السطح خطاب القبيلة والجهة والعرق، ووسعت دائرة الكراهية والشك والرغبة في الانتقام. ولذلك فإن إنهاء الحرب عسكرياً أو سياسياً لن يكون كافياً إذا بقيت الحرب حية في النفوس.

السودان يحتاج إلى مشروع واسع للمصالحة المجتمعية، وجبر الضرر، وعودة النازحين واللاجئين، واستعادة الممتلكات والحقوق، ومحاسبة من ارتكب الجرائم وفق القانون، وإعادة بناء الثقة بين المجتمعات. والعدالة والمصالحة في الحالة السودانية ينبغي أن تتكاملا؛ فالعدالة تمنع المصالحة من أن تتحول إلى إفلات من العقاب، والمصالحة تمنع المجتمع من أن يبقى رهينة للثأر.

ويصل الغسيل بالضرورة إلى مفهوم السياسة نفسه. فالسياسة ليست وظيفة بلا مؤهلات، ولا طريقاً مختصراً إلى المناصب والثروة والنفوذ. والأحزاب ليست لافتات تاريخية أو منصات لزعامات دائمة، وإنما مؤسسات يفترض أن تنتج البرامج والقيادات والحلول. ولهذا تقع على القوى السياسية مسؤولية مراجعة بنيتها الداخلية، وتجديد قياداتها، وتطوير برامجها، ونقل مركز الصراع من التنافس حول من يتولى الحكم إلى القضية الأهم: بناء الطريقة التي يُحكم بها السودان، والقواعد والمؤسسات التي تجعل السلطة وظيفة في خدمة الدولة والمواطن.

أما المؤسسة العسكرية، فالمطلوب منها أن تكون جزءاً أصيلاً من عملية إعادة بناء الدولة عبر تطوير مهنيتها ووحدتها وقدرتها على حماية البلاد وسيادتها وحدودها، وبناء منظومة أمن قومي حديثة، في إطار دولة مستقرة تحدد فيها المؤسسات والقوانين المسؤوليات والاختصاصات بوضوح.

وتقع على المجتمع المدني والنخب الثقافية والإعلامية والجامعات والمؤسسات الدينية والأهلية مسؤولية إعادة بناء المجال العام. فالأوطان لا تعيش بالقوانين وحدها؛ تعيش أيضاً بالقيم التي تحكم علاقة الإنسان بالإنسان، والمواطن بالدولة، والفرد بالمجتمع.

ويبقى المواطن نفسه في قلب هذه المراجعة؛ فمن السهل أن نطالب بغسيل الدولة بينما نحتفظ داخل المجتمع بالممارسات التي أفسدتها: الواسطة، والمحسوبية، وعدم احترام القانون، والتسامح مع الفساد الصغير، والعصبية القبلية والجهوية، وتقديم العلاقات على الكفاءة، وإهدار الوقت والمال العام، وضعف الإحساس بالمسؤولية. فالدولة في النهاية ليست كائناً منفصلاً عن الناس، وكثير من أمراض مؤسساتها تجد جذورها أو ما يغذيها في المجتمع.

ولذلك فإن الغسيل الحقيقي الذي يحتاجه السودان هو غسيل وطني شامل؛ غسيل للذاكرة من الأكاذيب، وللسياسة من الإقصاء، وللوعي من التضليل، وللمجتمع من العصبية والكراهية، وللأخلاق من التسامح مع الفساد، وللسلوك من الفوضى وعدم احترام القانون، وللمؤسسات من التسييس والمحسوبية، وللاقتصاد من الريع والفساد، وللعلاقة بالخارج من الارتهان، وللإرادة الوطنية من التبعية والاستقواء بالأجنبي، وللإعلام من التحريض والشائعة، وللتعليم من التلقين والضعف، وللنفوس من آثار الحرب والثأر.

لكن ثمة تنبيه ضروري؛ أن الغسيل لا يعني الاجتثاث. فالسودان لا يحتاج إلى غسل فئة من المجتمع، ولا حقبة من التاريخ، ولا حزب أو قبيلة أو جهة من الوجود الوطني. كل مشروع يبدأ بفكرة تطهير الوطن من خصومه سينتهي بإضافة جرح جديد إلى جراحه. المطلوب غسل الأخطاء والممارسات والمفاهيم، مع الاحتفاظ بالتجارب والدروس والذاكرة، لأن الأمم التي تمحو تاريخها محكوم عليها بإعادة أخطائه.

ثم يأتي بعد الغسيل ما هو أهم؛ وهو عملية البناء، لأن تنظيف البيت يفقد معناه إن لم يتبعه حسن ترتيبه وإصلاح ما تهدم فيه. والسودان بعد هذه الحرب يحتاج إلى عقد وطني جديد يحدد معنى الدولة، وعلاقتها بالمواطن، ونظام الحكم، وكيفية توزيع السلطة والثروة، وإدارة التنوع، والعلاقة بين المركز والأقاليم، ودور المؤسسات العسكرية والأمنية، وضمان التداول السلمي للسلطة، وبناء اقتصاد يستثمر موارد البلاد لمصلحة مواطنيها.

ويحتاج، فوق ذلك كله، إلى إعادة بناء علاقة الإنسان السوداني بالدولة والمجتمع؛ مواطن لا يتخلى عن ثقافته أو قبيلته أو منطقته أو معتقداته، لكنه يعرف أن هذه الانتماءات جميعها تجد حمايتها داخل وطن مستقر ودولة عادلة، وأن المواطنة هي المساحة التي يتساوى فيها الجميع.

ربما كانت مأساة السودان الكبرى أنه عاش زمناً طويلاً وهو يحاول تغيير الحكومات أكثر مما حاول تغيير طريقة إدارة الدولة، ويبحث عن تغيير الأشخاص أكثر مما يبحث عن تغيير الأفكار والسلوك والمؤسسات. ولهذا فإن ما ينبغي أن يشغل السودانيين بعد كل ما جرى يتجاوز البحث عمن سيحكم السودان بعد الحرب إلى تحديد السودان الذي يريدون بناءه، ونوعية العلاقة التي يريدونها بين المواطن والدولة، وطريقة الحكم التي تحول دون إعادة إنتاج الأسباب التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه.

وحين نستطيع الإجابة عن ذلك بشجاعة، ونغسل ما تراكم في ذاكرتنا ووعينا وأخلاقنا وسلوكنا ومؤسساتنا وسياستنا واقتصادنا ومجتمعنا وعلاقتنا بالعالم، ونستعيد استقلال إرادتنا الوطنية، ربما نكتشف أن السودان الذي نبحث عنه لم يكن ينقصه الذهب، ولا الأرض، ولا الماء، ولا الموقع، ولا الإنسان.

السودان كان ينقصه، قبل كل شيء، مشروع دولة، ومشروع مجتمع، ومشروع وعي يليق بكل ما يمتلكه. وربما كان الغسيل الذي يحتاجه السودان اليوم هو أن يزيل عن نفسه تراكمات ما كان، كي يسترد قدرته على أن يرى ما يمكن أن يكون، ثم يملك الشجاعة لبنائه.

الاربعاء، 16 سبتمبر 2026م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى