رأي

“هل حانت اللحظة الحاسمة”: (1-4) 

حوارات مع القراء

التيجاني عبد القادر حامد

6 يناير 2026

أثار منشورنا الأخير (هل حانت اللحظة الحاسمة في الحرب السودانية، فيسبوك، 14 ديسمبر 2025) تفاعلاً لافتاً من قبل القراء. بعضهم يؤيد ما ذهبت اليه، وبعضهم يعترض بشدة ويكتب ردوداً غاضبة ومطولة. وإني إذ أشكر الجميع لاهتمامهم بما نكتب، أؤكد أن صفحتي- وصدري- سيظلان مفتوحين لمن يريد الحوار ما دام يقبل الحجة العقلية السليمة ويلتزم بآداب الحوار-وما دام مهتماً بقضايا الوطن، ومترفعاً عن سفاسف الأمور..

وحيث كان متن المقال يتحدث عن “اللحظة الحاسمة” في تطورات الحرب العالمية الثانية، وحيث ذكر بعض القراء أنهم لا يرون  وجهاً للمقارنة بين أي من وقائع الحرب العالمية الثانية ووقائع الحرب الراهنة في السودان، فيتوجب على المسارعة لتوضيح أن القضية الأساسية التي تمثل محل المقارنة (وصارت من ثم جوهر المقال وعنوانه) لا تتعلق بمؤسسة عسكرية هنا وأخرى هناك، ولا بنظام سياسي هنا ونظام آخر هناك، وإنما هي قضية “الأمن الجماعي والدفاع المشترك”. كانت القضية الأساسية التي عالجها المقال (واستعاد من أجلها وقائع الحرب العالمية) تتركز حول تخلى بريطانيا عن هذا المفهوم (وقررت ألا يشارك سلاحها الجوي في معركة باريس)، معتمدة على مفهوم “الأمن الأحادي”. ذلك القرار كان هو “اللحظة الحاسمة” التي أدت-بتقديري- إلى سقوط باريس.

أما من ناحية أخرى فقد كان سقوط باريس هو اللحظة “الكاشفة” التي جعلت بريطانيا تدرك-فيما بعد-أن واحداً من أكبر أخطائها الاستراتيجية التي قوضت أمنها القومي هو الانسحاب من الجبهة الفرنسية. أي أنها أدركت-ولكن بعد فوات الأوان-أن الدفاع عن لندن ما كان ينبغي أن يكون في مدينة لندن ذاتها وإنما كان يجب أن يكون فوق سماء باريس، وأن خسارة سرب من الطائرات البريطانية في الدفاع المشترك عن باريس كان أفضل عشرات المرات من تدمير كل السلاح الجوي البريطاني في الدفاع عن لندن، مع تدمير المدينة ذاتها-بما فيها من مصانع الذخيرة والسلاح والمطارات والجسور، ناهيك عن الجرحى والقتلى من العسكريين والمدنيين.

وذكرت في المقال أن رئيس أمريكا آنذاك-روزفلت- كان أبعد نظراً من رئيس وزراء بريطانيا- تشرشل.  ولو أنه سار على نهج صديقه تشرشل في سياسة الأمن الأحادي، ولم يتدخل في شؤون الحرب الأوربية، لسقطت لندن كما سقطت باريس، ولغدت المصالح الأمريكية ذاتها عرضة للخطر. على أن الدرس الذي استفادته بريطانيا لاحقاً-ومن خلفها فرنسا ودول أوربا- هو أن الدفاع الأحادي غير مجد، فهرعت جميعها إلى إنشاء “حلف الأطلسي-الناتو 1949)، ووضعت مفهوم “الأمن الجماعي” في قمة أولوياته، حيث نصت المادة الخامسة على أن “الهجوم على واحد هو هجوم على الكل”، وهو الميثاق الذي ظلت تلوذ به دول أوربا الغربية متى ما تعرضت واحدة منها للخطر، فحفظ لها السلام (والهيمنة) إلى يوم الناس هذا. ولم يقل أحد من قادتهم أن ما أقدمت عليه بريطانيا من مفاضلة بين الدفاع المنفرد والدفاع المشترك أمر خاص بها، ولا يعنينا في شيء.

ولعله قد اتضحت بهذا أركان لمقارنة؛ فهي لم تكن بين الدولة الفرنسية والبريطانية (بمؤسساتهما السياسية والعسكرية المتطورة) من جهة، والدولة السودانية (بحالتها الراهنة) في الجهة الأخرى. لا، ليس هذا هو وجه المقارنة-كما يُصر بعض القراء؛ فالمقارنة لم تكن بين الجيش الفرنسي والسوداني، ولا بين مؤسسات فرنسا وبريطانيا ومؤسسات السودان، وإنما كانت بين مواقف وقرارات استراتيجية (بريطانية) تتعلق بأمنها القومي، ومواقف وقرارات استراتيجية (سعودية ومصرية) تتعلق بالأمر ذاته. أي أن المقارنة كانت بين قرار التخلي عن “الأمن المشترك” الذي اتخذته بريطانيا في “لحظة سقوط باريس”، وقرار التغاضي والتغافل عن “الأمن المشترك” الذي سارت عليه السعودية ومصر فيما يتعلق بالحرب الدائرة في السودان في “اللحظة الحاسمة”- لحظة سقوط دارفور وكردفان. هذا، ومن الممكن بالطبع أن يجادل أحدهم فيقول إن السودان لم يتعرض لعدوان يشابه العدوان النازي، أو إن السودان ليست له أهمية استراتيجية بالنسبة للأمن المصري أو السعودي، وهذه حجج قابلة للأخذ والرد ولكنها لا تعنى أن مسألة “الموازنة” بين الدفاع المشترك والدفاع المنفرد هي مسألة محلية خاصة بسياق الحرب العالمية الثانية ولا يمكن تعميمها على حالات أخرى. كما أنها لا تنفى أن القيادتين-السعودية والمصرية- يواجهان الموقف نفسه الذي واجهته الحكومة البريطانية عام 1940 وهي توازن بين مصالحها والمصالح الفرنسية، وما إذا كان من الأفضل لها أن تقاتل القوات المهاجمة في سماء فرنسا (تقرأ حضرموت)، أم تنتظرها في سماء لندن (تقرأ مشروع نيوم). مما يؤشر على الصلة القوية والتشابه بين الحالتين (رغم اختلاف التفاصيل والخصوصيات).

ثم يضاف إلى هذا أنه قد اتضح (بعد نشر المقال بقليل) أن تفكير القيادة المصرية يسير في اتجاه القول بأن أمنها القومي لا يتجزأ عن أمن السودان، وأن لها خطوطاً حمراء في هذا الصدد، كما اتضح أيضاً أن تفكير القيادة السعودية يسير في اتجاه القول بأن أمنها القومي لا يتجزأ عن أمن اليمن (والصومال والسودان)، وأن لها خطوطاً حمراء في هذا الصدد؛ مما يعنى أن المقارنة التي أجريناها لم تكن كلاماً “ساكتا” (كما يقال في الدراجة السودانية)، ولكنها مقارنة تفتح منافذ للاستشراف وتؤشر على سيناريوهات قريبة من التحقق. ولكن السؤال سيبقى: هل ستكرر السعودية ومصر “الخطأ البريطاني” أم أنها ستستفيد منه وتتحرك-بجد- نحو تطوير اتفاقية للدفاع المشترك-على منوال اتفاقية شمال الأطلسي التي احتمى بها الأوربيون بعد حربهم العالمية الثانية؟ نواصل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى