رأي

من دمار الحرب إلى محاكم الجبايات: من يقتل ما تبقى من اقتصاد السودان؟

نعمان يوسف محمد

حين تعجز الحرب عن إطفاء آخر شعلة في مصنع، تتكفل الجبايات بإطفائها!

لم تكتف الحرب في السودان بتدمير المصانع ونهب المخازن وتخريب البنية التحتية وقطع سلاسل الإمداد وتعطيل الإنتاج، بل ألحقت خسائر فادحة بالاقتصاد وحرمت آلاف الأسر من مصادر رزقها. ويبدو أن بعض الجهات تستكمل هذا الدمار بأدوات أخرى: جبايات تتوالد، ورسوم تتكاثر، ومطالبات تقود أصحاب المصانع والشركات والمتاجر إلى المحاكم ومكاتب التحصيل، بدلاً من مساعدتهم على إبقاء أعمالهم حية.

أي عبث هذا الذي يجعل صاحب المصنع يحارب من أجل البقاء في السوق، ثم يحارب مرة أخرى من أجل البقاء خارج أبواب المحاكم؟

الصناعة السودانية، ولا سيما الصناعة الدوائية، ليست مبانٍ وآلات فحسب، بل استثمارات وخبرات وعمالة ماهرة وسلاسل توريد وقدرة وطنية على توفير الاحتياجات وتقليل الاعتماد على الاستيراد. وعندما تتوقف هذه الصناعات، لا يخسر أصحابها وحدهم؛ بل يفقد العامل دخله، وتخسر الدولة إيراداتها، ويتضرر المستهلك من نقص السلع وارتفاع الأسعار، ويزداد الاقتصاد اعتمادا على الخارج.

وفي قطاع الدواء، تتجاوز الخسارة حدود التجارة، لأن توقف الإنتاج المحلي يمس الأمن الدوائي، ويصعّب توفير الأدوية ويرفع تكلفتها في بلد أنهكته الحرب.

لقد كان المنتظر أن تتعامل مؤسسات الدولة مع المنشآت المتضررة باعتبارها أصولا وطنية ينبغي إنقاذها، وأن تراجع الجبايات بما يراعي الظروف الاستثنائية، فتوازن بين حق الدولة في الإيرادات وحق الاقتصاد في التعافي. لكن الواقع أن بعض المنشآت تواجه مطالبات بالعوائد ورسوم الخدمات والنظافة، رغم توقف نشاطها أو عملها بجزء من طاقتها، بينما تكافح لتوفير رأس المال وإعادة تأهيل منشآتها.

المشكلة هنا ليست في رسم محدد، بل في عقلية ترى المنشأة الاقتصادية وعاءً جاهزا للتحصيل، لا مشروعاً منتجاً يحتاج إلى الحماية.

بين التحصيل والتعافي:

الدولة التي تريد إنقاذ اقتصادها تساعد المنشأة المتضررة على استعادة نشاطها، وتراجع التزاماتها وفق واقعها، وتيسر الإجراءات، وتؤجل ما يمكن تأجيله، ثم تستعيد الإيرادات بصورة مستدامة بعد عودة الاقتصاد إلى الحركة.

أما مطالبة منشأة متوقفة أو متعثرة بالتزامات لا تراعي حجم الضرر، ثم دفعها إلى التقاضي والتحصيل، فتطرح سؤالا جوهريا: هل تريد المحلية إيراداً مستداماً من منشأة تستعيد إنتاجها، أم مبلغاً عاجلاً قد يكون ثمنه إغلاقها وضياع وظائفها؟

تحصيل الإيرادات ليس خطأ، والالتزامات القانونية لا تسقط بمجرد اندلاع الحرب، لكن العدالة المالية تقتضي التمييز بين منشأة تعمل بكامل طاقتها، وأخرى دمرتها الحرب، وثالثة تحاول العودة، ورابعة توقفت قسراً. فتطبيق الإجراء نفسه على أوضاع مختلفة ليس عدالة، بل مساواة شكلية تؤدي إلى نتائج ظالمة.

والعدل يعني مراعاة اختلاف الظروف في حدود القانون، واستخدام المرونة لحماية النشاط الاقتصادي لا لتعطيله.

حين يتحول صاحب العمل إلى متهم:

من أكثر المشاهد إيلاماً أن يقف أصحاب مصانع وشركات ومتاجر، بنوا أعمالهم ووظفوا الناس وقدموا السلع والخدمات، أمام المحاكم بسبب مطالبات محلية، أو يتنقلوا بين مكاتب التحصيل بحثاً عن تسوية أو إعفاء، بدلا من أن يجدوا إدارة تبحث معهم عن حلول قانونية وعملية.

الاعتراض ليس على القضاء أو على حق الدولة في استرداد مستحقاتها بالوسائل المشروعة، بل على تحويل التحصيل إلى غاية منفصلة عن المصلحة الاقتصادية العامة، وعلى أي ممارسة تتجاوز القانون أو تمس كرامة أصحاب الأعمال.

صاحب المصنع ليس خصما للدولة لأنه ينتج، والتاجر ليس عدوا للمحلية لأنه يطلب مراجعة مطالبة، ورجل الأعمال ليس متسولا حين يطالب بمعاملة عادلة.. إنه مواطن له حقوق وعليه واجبات، والدولة التي تطالبه بالسداد مطالبة أيضا بتوفير بيئة عادلة وإجراءات شفافة ومعاملة تحفظ الكرامة.

وينبغي أن يقاس نجاح المسؤول المحلي بعدد المنشآت التي استعادت نشاطها، والوظائف التي حافظت عليها، والإيرادات المستدامة التي عاد الاقتصاد إلى توليدها، لا بعدد المطالبات والمحاضر والملفات المحالة إلى المحاكم. فالفرق بين المعيارين هو الفرق بين إدارة تنمي الاقتصاد وإدارة تستنزفه.

الجبايات لا تصنع اقتصاداً:

الجباية التي لا تراعي قدرة المكلف، ولا تميز بين النشاط القائم والمنشأة المتوقفة، ولا توازن بين الإيراد المباشر والأثر طويل الأجل، قد تحقق حصيلة آنية، لكنها تدمر الوعاء الذي تعتمد عليه مستقبلا.

فالمصنع المغلق لن يدفع عوائد نشاطه غدا، والمتجر المتوقف لن يوظف عاملا، والشركة التي تفقد قدرتها على الاستثمار لن تتوسع ولن تخلق فرصا جديدة. وإذا سعت كل محلية إلى تعظيم حصيلتها بمعزل عن سياسات التعافي، فقد يتحول الأمر إلى سباق لاقتسام موارد منشآت تتقلص قدرتها على البقاء.

الإيراد المستدام يحتاج إلى اقتصاد منتج، والاقتصاد المنتج يحتاج إلى منشآت قادرة على العمل، وهذه المنشآت تحتاج إلى بيئة تشجعها على البقاء والاستثمار والتوسع. أما اختزال العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص في مطالبة وسداد، ثم إنذار ومحكمة، فهو يضر بالطرفين، حتى لو بدا انتصارا مؤقتا لجهة التحصيل.

الصناعة الدوائية أولوية:

يصبح هذا النهج أكثر خطورة عندما يتعلق بالصناعة الدوائية. فالسودان، الذي يعاني اضطراب الإمدادات وتراجع القدرة الشرائية وصعوبة توفير الدواء، لا يحتمل خسارة مزيد من قدراته الصناعية بسبب بيئة إدارية لا تميز بين تحصيل مستحق مشروع وخنق منشأة تحاول استعادة إنتاجها.

المطلوب ليس إعفاءً مفتوحا أو إسقاطا عشوائيا لحقوق الدولة، بل مراجعة قانونية ومالية للرسوم والمطالبات، وربط المعالجة بطبيعة النشاط وحجم الضرر وفترة التوقف والقدرة الفعلية على السداد. كما ينبغي اعتبار المنشآت الدوائية جزءاً من منظومة الأمن الصحي والاقتصادي، وتنسيق جهود الجهات المختصة لإزالة المعوقات ووضع ترتيبات معقولة للالتزامات المستحقة.

ليس من الحكمة الحديث عن توطين صناعة الدواء، بينما يواجه المنتج الوطني معركة إضافية مع جهات التحصيل قبل أن يستعيد قدرته على الإنتاج.

ما الذي يجب أن يحدث؟

أولا، إجراء مراجعة شاملة للجبايات المحلية المفروضة على المنشآت المتضررة، للتحقق من سندها القانوني ومنع الازدواج والتداخل وإلغاء المطالبات غير المستندة إلى القانون.

ثانيا، عدم معاملة المنشآت المتوقفة أو المتضررة كمنشآت تعمل بصورة طبيعية، ووضع معايير معلنة لتصنيفها بحسب الضرر ودرجة التعافي والقدرة على السداد.

ثالثا، تجميد أو إعادة جدولة المطالبات القابلة للتسوية خلال فترات التعافي، وفقا للقانون، مع إعطاء الأولوية للمنشآت القادرة على العودة إلى الإنتاج وتوفير الوظائف.

رابعا، مراجعة إجراءات التحصيل والتقاضي، وضمان حق الاعتراض والتظلم والفصل المحايد، ومنع أي ممارسة تمس كرامة المواطنين أو تتجاوز السلطة.

خامسا، إنشاء نافذة موحدة لمعالجة نزاعات الجبايات، تختصر تعدد الجهات، وتحدد آجالا للرد، وتتيح تسويات معلنة وشفافة.

سادسا، ربط تقييم أداء المحليات بمؤشرات اقتصادية، مثل عدد المنشآت التي استأنفت نشاطها، والوظائف التي حافظت عليها، والاستثمارات الجديدة، ونمو الوعاء الإيرادي بصورة مستدامة، لا بالتحصيل وحده.

سابعا، منح الصناعة الدوائية والصناعات الاستراتيجية أولوية في برامج التعافي، بالتنسيق بين الجهات الاتحادية والولائية والمحلية.

هذه الإجراءات لا تهدف إلى إضعاف المحليات أو حرمانها من الموارد، بل إلى إصلاح العلاقة بين التحصيل والتنمية، وبين السلطة والمسؤولية، وبين حق الدولة في الإيرادات وحق المجتمع في اقتصاد قادر على الحياة.

كلمة أخيرة:

السودان لا يحتاج إلى مزيد من المعارك بين مؤسساته الاقتصادية والإدارية. فقد استنزفت الحرب الأرواح والأموال والقدرات، وأضعفت المصانع والشركات والأسواق. ولا يعقل أن نطالب القطاع الخاص بإعادة الإعمار، ثم نضع أمامه متاريس من الرسوم والإجراءات والمطالبات التي لا تراعي آثار الحرب.

احترام صاحب العمل ليس مجاملة لرأس المال، بل احترام للعمل والإنتاج والوظائف والمصلحة العامة. وحماية المنشآت الوطنية ليست انحيازا للأثرياء، بل حماية للاقتصاد والمجتمع.

نحن لا نطالب بإعفاء أحد من القانون، بل نطالب بألا يتحول القانون إلى أداة استنزاف، وألا تصبح السلطة المحلية جهة تحصيل منفصلة عن مسؤوليتها التنموية، وألا يتحول صاحب المشروع إلى ضحية حرب يخسر ما تبقى بسبب غياب المرونة والعدالة.

يا سادة، لا تحصّلوا من الاقتصاد ما يؤدي إلى موته!

فالمصنع الذي يستعيد إنتاجه سيمنح الدولة إيرادات لسنوات، والمتجر الذي يصمد سيحافظ على وظائف ومصادر دخل، والشركة التي تجد بيئة عادلة ستستثمر وتتوسع وتدفع ما عليها. أما المنشأة التي تغلق أبوابها، فلن تنفع المحليات محاكمها ولا مطالباتها في استرداد اقتصاد مات وعاؤه الإنتاجي.

لقد آن الأوان لأن تتوقف عقلية الجباية عن معاملة المنتج باعتباره هدفا للتحصيل، وأن تبدأ الدولة في معاملته باعتباره شريكا في التعافي.. فالسودان لن ينهض من ركام الحرب إذا كانت يد تهدم، ويد أخرى تجبي، ولا يد تمتد لإنقاذ ما تبقى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى