فيما أرى
عادل الباز
١
المسؤول هو السيد كامل إدريس… أليس هو الحكومة؟ بلى. وقبل أن أُثبت صحة اتهامي للحكومة، أودّ أن أقصّ عليكم حكاية الوفد الجنوبي.
سافر وفد من جنوب السودان بتمثيل رفيع، يتقدمهم باقان أموم، إلى بريطانيا بحثًا عن تمويل، بعد أن كانت دولة الجنوب قد أغلقت أنابيب البترول في خلافها مع الحكومة في الشمال. فقال لهم أحد المسؤولين البريطانيين: “مثلكم مثل الذي قطع يده اليمنى وذهب يشحذ بالشمال.” وهذا هو حال دولتنا؛ تُهدر الموارد التي بين يديها بسوء الإدارة، ثم تبحث عن موارد خارجية فلا تجدها.
٢
كل التقارير المحلية والدولية الموثوقة تؤكد أن إنتاج الذهب في العام، بحدّه الأدنى، يبلغ سبعين طنًا، يمكن أن يُدرّ عوائد دولارية تبلغ نحو 10.6 مليار دولار بسعر اليوم. علمًا بأنه قبل أسبوعين فقط كان يمكن لهذا الإنتاج أن يحقق عوائد تصل إلى 12.6 مليار دولار، أي بزيادة تقارب ملياري دولار.
يعني ذلك أنه إذا سيطرنا على هذا الإنتاج، أمكننا تحقيق الآتي:
أولًا: سد فجوة في ميزان المدفوعات، وبيانات البنك المركزي تكشف عن تفاقم العجز إلى نحو خمسة مليارات دولار.
ثانيًا: السيطرة على سعر العملة ووقف تدهورها.
ثالثًا: السيطرة على التضخم، لأن الاستيراد سيتم بأسعار تنافسية معقولة.
إذا كانت هذه الأهداف الثلاثة يمكن تحقيقها عبر السيطرة على إنتاج الذهب وتصديره، وهي أهداف كفيلة بإنعاش الاقتصاد بدرجة كبيرة، فماذا عسى أي دولة أن تُنجز أكثر من تحقيق التوازن الاقتصادي والسيطرة على التضخم؟ فكل حكومات العالم لا يشغلها شيء أكثر من تحقيق هذه الأهداف الثلاثة.
لا أعتقد أن الدولة غير راغبة أو غير قادرة، بل هي تعرف تمامًا السُّبل التي تُمكّنها من تحقيق ذلك. ينقصها فقط الكفاءة وحسن الإدارة والصرامة القانونية. نعم، هي تعرف الطريق جيدًا، لكنها لا تُقدم على الفعل… فلماذا؟
الجواب واحد: سوء الإدارة، ولا شيء غيره.
إذن، ماذا يمكن أن تفعل الدولة؟
الحقيقة أنها تعرف ما تفعل، بدليل أنها بدأت مؤخرًا تسير على الطريق الصحيح. فقد أصدرت قرارًا بإلزام الشركات الحكومية ببيع مشترياتها من الذهب لبنك السودان، ثم قررت توجيه العوائد التي كانت تذهب في اتجاهات أخرى إلى حسابات محددة دعمًا للمجهود الحربي، كما بدأت في مراجعة النسب والاتفاقيات مع شركات الامتياز، وهي ملفات مليئة بقصص سنعود إليها لاحقًا.
نعم، كل ذلك تم، لكن يبقى الكثير والخطير. الدولة لا تزال مترددة ومرتبكة… لكن من ماذا؟ لا أدري. من مافيا الذهب؟ من شبكات الفساد في داخلها؟ من الذي يُعيقها؟
٣
سأتخذ في هذا المقال من تنزانيا مثلًا؛ فالمعادن هناك ملكٌ للدولة، وهي وصيّة عليها باسم الشعب، والشركات لا تملك الذهب، بل تحصل فقط على حق استخراجه وفق شروط الدولة.
سارعت تنزانيا إلى السيطرة على قطاع التعدين الأهلي بالسياسات والقوانين، فأنشأت سجلات للمعدّنين ومناطق نشاطهم، وبدأت في تقديم الخدمات لهم، وحصرت التجار والوسطاء المحليين والمصدّرين. والأهم أنها شجّعت قيام التعاونيات، وقدّمت لها التمويل البنكي لشراء المعدات والطواحين، وسهّلت استخدام التكنولوجيا، وأقامت مصاهر محلية وبورصات.
نتيجةً لهذه السياسات، كوّن بنك تنزانيا المركزي احتياطيات من الذهب تجاوزت قيمتها 1.3 مليار دولار بنهاية عام ٢٠٢٥، كما استطاع في العام ذاته شراء أكثر من خمسة أطنان من الذهب الخالص بقيمة تجاوزت 554 مليون دولار ضمن برنامجه. وفي سبتمبر ٢٠٢٥ وصلت صادرات الذهب إلى 4.43 مليار دولار، علمًا بأن إنتاج تنزانيا من الذهب في السنوات الأخيرة يتراوح بين 55 و60 طنًا سنويًا، مع تسجيل مستوى قياسي في ٢٠٢٤ بلغ نحو ستين طنًا.
يعني ذلك أن السودان يُنتج في حدّه الأدنى سبعين طنًا، أي أكثر من تنزانيا بعشرة أطنان، ومع ذلك لا تتجاوز عوائده 1.5 مليار دولار في عام ٢٠٢٥! تصوّروا أن مصر لا تُنتج سوى ثمانية عشر طنًا سنويًا من الذهب، بيد أن عوائدها من تصديره في العام الماضي بلغت 7.6 مليار دولار، بينما نحن بإنتاجنا البالغ سبعين طنًا لا نحقق سوى 1.5 مليار دولار!
٤
بدأت تنزانيا من حيث يبدأ القرار الحقيقي: من السعر وسهولة الوصول إليه. فأنشأت سوقًا رسميًا قريبًا من السعر العالمي، يضمن الدفع السريع ويُبسّط الإجراءات. ومع الوقت لم يعد المعدّن بحاجة إلى المخاطرة بالتهريب بحثًا عن سعر أفضل أو سيولة أسرع، فتغيّر السلوك، ليس خوفًا من العقوبة، بل استجابةً لحافز اقتصادي واضح.
ثم وظّفت تنزانيا التكنولوجيا، ورقمنت دورة الذهب بالكامل، بحيث صار لكل جرام مسار واضح: من المنجم إلى مركز الشراء، إلى المصفاة، إلى التصدير أو خزائن البنك المركزي. والخلاصة أن تنزانيا فهمت أن الذهب ليس مجرد ملف تعدين، بل ملف سيادة مالية، فربطت القانون بالسوق، والسوق بالبنك المركزي، والبنك المركزي بالاحتياطي.
وفي الوقت ذاته لم تنتظر الدولة الذهب عند الحدود، بل ذهبت إليه في مكان إنتاجه؛ فأنشأت مراكز شراء رسمية وجعلت وجودها داخل السوق تراقب وتُسجّل وتتابع كل عملية بيع، فتحوّلت الرقابة من مطاردة مكلفة إلى إشراف مباشر في نقطة الحسم.
أما الحلقة الأهم فكانت المعدّن نفسه؛ لم يُعامَل كخصم، بل كجزء من المنظومة. تم ترخيصه ودعمه وإدخاله في الاقتصاد الرسمي، فتقلّصت مساحة التهريب تدريجيًا.
٥
ثم شدّدت تنزانيا القوانين، فاعتبرت التهريب جريمة تمسّ أمن الدولة لا جريمة اقتصادية، واتخذت عقوبات صارمة تشمل المصادرة والغرامات والسجن. فجعلت التهريب خيارًا غير مجدٍ، في حين صار الطريق الرسمي أسرع وأسهل وأكثر ربحًا. وهكذا أعاد السوق نفسه الذهبَ إلى الدولة.
إن جوهر تجربة تنزانيا يكمن في إدراكها أن السيطرة على الذهب تتطلب منظومة متكاملة: تبدأ بتشجيع المنتج المحلي كشريك عبر الأسعار العادلة والخدمات، وتُنظَّم عبر القوانين الصارمة ورقمنة المسار، وتُؤمَّن عبر ربط كل ذلك مباشرة بالبنك المركزي لتعزيز السيادة المالية. والنجاح هنا ليس في مجرد قرار منع، بل في بناء بديل رسمي جاذب يغلب على إغراء التهريب.
٦
يا حكومة الأمل، أرجو أن تُلهمكم تجربة تنزانيا في قطاع الذهب طريقًا يُغيّر نمط إدارتكم لهذا القطاع الذي يحتاج إلى إصلاح شامل: تنظيمًا وقانونًا وسياسةً. وصدّقوني، ما من خدمة أعظم يمكن أن تُقدّموها لهذا الشعب في هذا الوقت من السيطرة على أهم موارده. فإن لم تسيطروا عليه، فلن تجدوا موردًا آخر لتمويل برامجكم، ولا تنمية ولا غيرها… وستتحوّل كل الوعود إلى كلام في الهواء.
نصيحتي لكم: اتركوا كل شيء وركّزوا فقط على انتزاع العشرة مليارات دولار التي هي في متناول اليد من المهربين والسماسرة والفاسدين، فيتحول الذهب من مورد خام إلى ركيزة للاقتصاد الوطني بأكمله، بدلًا من أن تمدّوا أيديكم للآخرين فتُفقدونا ما تبقّى من أمل في حكومتكم… حكومة الأمل.