مهند عوض محمود
لم يكن اجتماعاً عادياً في جدول الاتحاد الأفريقي، بل محطة أعادت ملف السودان إلى داخل مؤسسات القرار القاري بعد فترة تعددت فيها المبادرات والمسارات دون تنسيق مركزي واضح تحت مظلة الاتحاد نفسه ؛ ففي 12 فبراير 2026 عقد مجلس السلم والأمن الأفريقي اجتماعه رقم 1330 على المستوى الوزاري، مخصصاً بالكامل للوضع في السودان، ثم تلاه إدراج الملف ضمن أعمال القمة العادية الأخيرة للاتحاد المنعقدة في 14 و15 فبراير بأديس أبابا، وفق الأجندة الرسمية المنشورة على موقع الاتحاد.
البيان الختامي الصادر عن مجلس السلم والأمن الأفريقي في اجتماعه رقم 1330 بتاريخ 12 فبراير 2026 لم يترك مساحة للالتباس، إذ نص بوضوح على أن الحرب في السودان لا يمكن أن تُحسم عسكرياً بصورة مستدامة ؛ كما دعا إلى هدنة إنسانية تقود إلى وقف إطلاق نار فوري يفتح الباب أمام مسار سياسي سوداني شامل تقوده إرادة وطنية خالصة. هذه الصيغة تمثل تثبيتاً رسمياً لموقف أفريقي رافض لتحويل المعركة إلى أداة لإعادة تشكيل السلطة بالقوة، وتعكس قناعة مؤسسية بأن استمرار المواجهة العسكرية سيُطيل أمد الأزمة ويُعمّق كلفتها الإنسانية والإقليمية.
ومن النقاط الجوهرية التي تضمنها البيان أيضاً رفض المجلس لأي محاولة لإنشاء حكومة موازية في السودان، ودعوته الدول الأعضاء والشركاء إلى عدم الاعتراف بمثل هذه الكيانات ؛ هذه الفقرة تمثل سنداً سياسياً مهماً لحماية وحدة الكيان السيادي للدولة، وتغلق الباب أمام سيناريوهات التفكيك عبر فرض واقع سياسي بديل تحت غطاء الحرب.
كما أدان المجلس التدخلات الخارجية في النزاع، وكلف آلياته المختصة بالعمل على تحديد الفاعلين الخارجيين الداعمين للأطراف المتحاربة خلال فترة زمنية محددة ؛ هذا التحول من توصيف عام للتدخلات إلى مسار مؤسسي للتتبع يحمل دلالات استراتيجية، لأنه ينقل النقاش من مستوى الاتهام السياسي إلى مستوى المساءلة داخل الإطار الأفريقي، ويؤسس لإمكانية ممارسة ضغط منظم على أي أطراف إقليمية أو دولية يثبت تورطها في تأجيج الصراع.
ورغم استمرار تعليق عضوية السودان في مؤسسات الاتحاد، شهدت هذه الدورة تطوراً مهماً تمثل في مشاركة وزير الخارجية السفير محيي الدين سالم في جلسة تشاورية للمجلس ؛ هذه المشاركة لا تعني رفع التعليق، لكنها تعني انتقال السودان من موقع الغياب الكامل إلى موقع الحضور داخل غرفة النقاش، ولو بصيغة تشاورية. الفارق بين الحالتين جوهري في إدارة التوازنات داخل المجلس، لأن الاستماع المباشر لموقف الدولة يحد من احتكار الروايات الأخرى للمشهد.
وعلى مستوى القمة، فإن إدراج تقرير النزاعات في السودان ضمن جدول أعمال الجمعية نقل الملف إلى مستوى النقاش السياسي الأعلى بين رؤساء الدول والحكومات. حين يصل الملف إلى هذا المستوى، فإنه لم يعد مجرد أزمة أمنية تُدار داخل مجلس متخصص فحسب، بل أصبح قضية ترتبط باستقرار الإقليم، وأمن حدوده، وحركة سكانه، وتأثيراته الاقتصادية والإنسانية الأوسع.
في هذا السياق تبرز أهمية التحرك الدبلوماسي الذي قادته سفارة السودان في القاهرة ؛ وبحسب إفادة مباشرة من السفير الفريق اول ركن مهندس عماد الدين مصطفى عدوي، فإن التحركات التي تمت داخل الجامعة العربية أسهمت في تهيئة المناخ السياسي الذي أفضى إلى مشاركة وزير الخارجية في جلسة المجلس. ومن الناحية المؤسسية، فإن البيان الصادر عن مجلس السلم والأمن يؤكد حضور الجامعة العربية ضمن الجهات التي خاطبت الاجتماع، ما يعكس وجود تقاطع بين المسار العربي والأفريقي داخل الإطار التنسيقي المعتمد.
التحرك عبر الجامعة العربية لم يكن مساراً بديلاً عن الاتحاد الأفريقي، بل داعماً لموقع السودان داخله. فالعمل على توسيع دائرة الدعم الإقليمي يمنح الملف السوداني عمقاً سياسياً إضافياً في لحظة تحتاج فيها الخرطوم إلى تعزيز حضورها داخل المنظومة القارية، خاصة في ظل استمرار قرار التعليق.
استراتيجياً، ما حدث خلال الأسبوع الثاني من فبراير 2026 يمكن قراءته كبداية مسار لإعادة إدماج السودان تدريجياً في مؤسسات الاتحاد. المكسب لم يكن إنهاء الحرب، ولا رفع التعليق فوراً، بل استعادة الصوت داخل قاعة القرار، وتثبيت مرجعية الدولة، وفتح مسار مؤسسي لمساءلة التدخلات الخارجية.
غير أن هذه الخطوة تظل بداية لا نهاية ؛ فالمشاركة التشاورية تحتاج إلى متابعة دبلوماسية نشطة لتحويلها إلى حضور مؤثر، واللغة الواردة في البيان تحتاج إلى آليات تنفيذ حتى تتحول إلى ضغط فعلي على الأرض. كما أن أي مسار سياسي لن ينجح ما لم يُقنع السودانيين أنفسهم بأنه لا يُعيد إنتاج موازين القوة العسكرية تحت غطاء تفاوضي.
ما جرى في أديس أبابا أعاد السودان إلى قلب النقاش الأفريقي حول مستقبله ؛ والتحدي الآن ليس في إثبات الحضور، بل في استثماره بذكاء، عبر توسيع التحالفات داخل مجلس السلم والأمن، وتعزيز التنسيق العربي- الأفريقي، وتقديم رؤية واقعية تُقنع القارة بأن استقرار السودان جزء لا يتجزأ من استقرار أفريقيا نفسها.