الخرطوم – حفية نورالدائم
تتكرر مشاهد الزحام والرفوف شبه الفارغة يوميًا في أسواق أم درمان وصابرين، حيث تتداخل حركة المتسوقين مع نظرات القلق والحسابات الدقيقة. من السكر إلى الزيت والبقوليات، تحولت أسعار السلع إلى مؤشرات يومية على حجم الضغوط التي تواجهها الأسر مع اقتراب شهر رمضان.
رمضان هذا العام في ولاية الخرطوم لم يعد شهر تجهيز مبكر، بل موسمًا يوميًا للتكيّف، تُدار فيه الاحتياجات وفق ميزانيات محدودة وقدرة شرائية آخذة في التراجع، في ظل ارتفاع متواصل للأسعار وتكاليف المعيشة.
صورة عن قرب: “رمضان بقى شهر حسابات”
في سوق أم درمان، تقف فاطمة عبد الله، ربة منزل، وهي تعيد حساب مشترياتها للمرة الثالثة. تقول إن مستلزمات رمضان كانت تكلف أسرتها قبل الحرب نحو 200 ألف جنيه، لكنها اليوم تتراوح بين 400 الي 500 ألف جنيه، في وقت لا يتجاوز فيه دخل الأسرة الشهري 300 ألف جنيه.
وتضيف بأسى:
(رمضان بقى شهر حسابات، ما شهر تجهيز).
*الأسواق… ازدحام بلا قدرة شرائية
رغم الزحام اللافت في أسواق الخرطوم، خصوصًا أم درمان وصابرين، إلا أن حجم الشراء الفعلي يبدو محدودًا.
ويوضح محمد الأمين يوسف، تاجر، أن أسعار السلع الأساسية شهدت زيادات كبيرة، حيث سجلتاسعار متفاوتة حبث بلغ سعر
جوال السكر زنة 50 كجم: 154 ألف جنيه و
10 كجم: 31.5 ألف جنيه و5 كجم: 16.5 ألف وتترواح اسعار الزيت 36 رطل مابين 120 الي 150 الف جنيه
باقة 18 رطل: 72 ألف جنيه
ربع العدسية: 30 ألف جنيه
ربع دقيق الذرة: 20 ألف جنيه
ربع البصل: 5 آلاف جنيه
ويعلّق قائلًا:
(الدخول للسوق سهل، لكن الخروج بكميات كاملة بقى صعب).
الأواني المنزلية والسلع الاستهلاكية… عبء إضافي
لم تقتصر الزيادات على المواد الغذائية فقط، بل امتدت إلى الأواني المنزلية وأدوات الطهي والحافظات، التي ارتفعت أسعارها بنسبة تقارب 40% مقارنة بالمواسم السابقة.
تقول آمنة محمد إبراهيم، نازحة تقيم بشرق النيل:
(حتى الأواني البسيطة البتستخدم يوميًا ارتفعت أسعارها… ما عارفين نغطي كل احتياجات البيت).
زيادة تكاليف الإنتاج والنقل
في المقابل، يؤكد التجار أن ارتفاع الأسعار يعود إلى تضخم التكاليف التشغيلية.
ويقول علي عثمان محمد،( تاجر) جملة بسوق أم درمان، إن تكلفة النقل ارتفعت بأكثر من 50%، إلى جانب رسوم الخدمات وتقلبات سعر الصرف، ما انعكس مباشرة على أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية والأواني المنزلية، رغم ضعف الإقبال الشرائي.
تضخم يفوق الدخول
ويرى الدكتور محمد إبراهيم البدوي، أستاذ الاقتصاد بجامعة الخرطوم، أن ما تشهده أسواق أم درمان وصابرين يعكس اختلالًا واضحًا بين معدلات التضخم ومستوى الدخول.
وأوضح خلال حديثه ل(ايلاف) أن ارتفاع أسعار مستلزمات رمضان ناتج عن تداخل عدة عوامل، أبرزها زيادة تكاليف النقل والإنتاج، وضعف سلاسل الإمداد، وتراجع القوة الشرائية.
وأضاف:
تجاوز إنفاق الأسر نسبة 60% من دخلها الشهري على الغذاء والسلع الاستهلاكية مؤشر اقتصادي مقلق، لأنه يضغط على بقية الاحتياجات الأساسية مثل التعليم والصحة والسكن.
وأشار إلى أن الزحام الظاهر في الأسواق لا يعكس قدرة شرائية حقيقية، إذ تدخل كثير من الأسر للمقارنة أو لشراء الحد الأدنى من الاحتياجات فقط.
المبادرات الخيرية تحت الضغط
ولم تسلم المبادرات المجتمعية من تأثير الغلاء.وتقول سارة عثمان، (متطوعة بإحدى مبادرات سلال رمضان) ، إن تكلفة السلة الواحدة ارتفعت من 50 ألف جنيه إلى نحو 100 ألف جنيه، ما أدى إلى تقليص عدد المستفيدين رغم تزايد الطلب، لا سيما وسط الأسر محدودة الدخل والنازحين.
رمضان بطعم الصبر
وسط هذه الأرقام، تستقبل أسر ولاية الخرطوم شهر رمضان بروح صابرة وإمكانات محدودة. فالشهر الذي كان يُستقبل بالتجهيز المبكر، بات يُدار بالحساب اليومي وترشيد الاستهلاك، في محاولة للتكيّف مع واقع اقتصادي ضاغط.
تدخلات مطلوبة
يعكس سوق مستلزمات رمضان في الخرطوم صورة واقعية لمعاناة المواطنين، حيث تحوّل الاستعداد للشهر الكريم إلى معادلة صعبة بين دخل شبه ثابت وتكاليف متصاعدة. وبين الغلاء وضيق الحال، تبرز الحاجة الملحّة لتدخلات اقتصادية واجتماعية تخفف العبء عن الأسر، حتى لا يتحول رمضان إلى موسم إضافي للضغط بدلًا من الطمأنينة