رأي

مأزق المضاربين وتراجع سعر الصرف

فيما أرى

عادل الباز

١

1. استقرار السوق الموازي وتراجع سعر الصرف

شهد السوق الموازي وسعر الصرف استقرارًا في الأسبوع الأول، تلاه تراجع مستمر في بداية الأسبوع الثاني. جاء هذا التحول نتيجة للإجراءات الفعالة والصارمة التي اتخذها البنك المركزي، والتي لم تقتصر على السياسة النقدية فحسب، بل امتدت لتشمل السيطرة على جميع العناصر المؤثرة مباشرة في سعر الصرف. تُعد هذه المرة الأولى التي تُتخذ فيها حزمة إجراءات اقتصادية متناغمة تحقق نتائج إيجابية في مدى زمني قصير.

1. إصلاحات قطاع النفط وتأثيرها على سعر الصرف

بدأت الإجراءات بتغيير سياسة قطاع النفط المتعلقة باستيراد المشتقات البترولية، كونه المؤثر الأكبر في سعر الصرف نظرًا للمبالغ الضخمة التي تحتاجها الشركات المستوردة لتغطية التزاماتها الخارجية.

2

الإجراءات المتخذة:

•وقف نظام المجموعات: أدى هذا النظام سابقًا إلى تسابق الشركات وبواخرها نحو السوق الموازي للحصول على الدولار بأي ثمن، مما تسبب في ارتفاع غير مبرر لسعر الدولار في السوق الموازي، لا يتناسب مع حجم الطلب الكلي الفعلي في البلاد. كان الاستيراد بهذا الحجم غير منطقي مقارنة بالاحتياجات الفعلية.

•إلغاء إذونات الاستيراد: تم إلغاء جميع إذونات الاستيراد الموجودة على منصة “بلدنا” التابعة لوزارة النفط.

•تسعير المشتقات البترولية: تم الاتفاق مع وزارة النفط على إعلان تسعيرة شهرية موحدة، بعد أن كانت  تسعر بالباخرة مما خلق ربكة في الاسواق . التسعيرة الجديدة، التي تُعلن شهريًا منذ بداية يوليو، مدتها شهر وتتغير بحسب الأسعار العالمية والمتغيرات الداخلية. وتُطبق مراقبة مشددة وعقوبات حازمة على الشركات غير الملتزمة.

3

1. إجراءات بنك السودان خارج قطاع النفط

اتجه بنك السودان نحو حزمة إجراءات إضافية خارج قطاع النفط، شملت شروطًا جديدة للشركات الراغبة في استيراد المشتقات البترولية:

•التأهيل المالي: أصدر البنك قرارًا يلزم المستوردين بضرورة التأهيل المالي أو إثبات القدرة المالية. على سبيل المثال، يتطلب الحصول على رخصة استيراد إيداع 200 كيلو ذهب لدى بنك السودان.

•استخدام حصائل الصادرات: سُمح للشركات المؤهلة باستخدام حصائل صادراتها، مما يقلل حاجتها لشراء العملات من السوق الموازي ويخفف الضغط عليه من هجمات شركات استيراد المشتقات البترولية. وقد ساهم هذا الإجراء بوضوح في استقرار سعر الصرف خلال الأسبوع الأول من تطبيق هذه السياسات.

4

1. ضخ العملات الحرة ودور البنوك التجارية

لضمان استمرارية السياسات الجديدة، عمد بنك السودان إلى ضخ العملات الحرة في البنوك التجارية لتلبية احتياجات عملائها، ومنعهم من اللجوء إلى السوق الموازي الذي قد يقوض الإجراءات الجديدة. وبالفعل، توفرت العملات للبنوك، مما أدى إلى تراجع الطلب في السوق الموازي.

أعلن بنك السودان مؤخرًا أن عملية ضخ النقد الأجنبي مستمرة، وقد تمت الاستجابة لجميع طلبات القطاعين الخاص والعام عبر المصارف التجارية بواقع 1220 درهمًا. هذا يعني عدم وجود حاجة للشراء من السوق الموازي طالما أن البنوك قادرة على تلبية الطلبات. كان سعر الدرهم في السوق الموازي قد وصل إلى 1500 ثم تراجع بعد بدء البنك الضخ، الذي بدأ بحدود 1260، ومع توفر العملات تراجع السعر إلى 1220. يتوقع المسؤولون استمرار الضخ، مما قد يؤدي إلى تهاوي سعر الدرهم إلى ما دون الألف.

ملاحظة هامة: بعض البنوك التجارية الكبرى ذات الارتباطات الخارجية لم تتقدم بطلب للحصول على عملات حرة من بنك السودان. يعود السبب إلى امتلاك هذه البنوك لرصيد كافٍ من العملات من حصائل الصادرات التي كانت تشتريها وتبيعها عند ارتفاع السعر. هذا يشير إلى أن هذه البنوك كانت تمارس مضاربة العملة، وهي “اللعبة المخفية” في قصة سعر الصرف.

5

1. مأزق المضاربين وتوقعات التدفقات المالية

يراهن المضاربون في سوق الدولار حاليًا على عدم قدرة بنك السودان على الاستمرار في ضخ العملات الحرة. إلا أن توقعات التدفقات المالية الخارجية تشير إلى عكس ذلك، خاصة بعد اتفاقيات الذهب مع عُمان والالتزام بتوفير خطوط تمويل من بنكي “صحارى” و”نزوة”، وعودة بنك قطر الإسلامي والبنك الوطني القطري للسودان بخطوط تمويل مفتوحة. إضافة إلى الاحتياطيات الكبيرة من الذهب التي يمكن تسييلها في أي وقت، كل ذلك يؤكد أن قدرة السودان على ضخ المزيد من العملات الصعبة في خزائن البنوك يمكن أن تتصاعد باستمرار.

6

مأزق المضاربين الآن:

•هل يعجلون ببيع مخزون العملات لديهم، مما يزيد المعروض عن حاجة السوق وتتدنى الأسعار أكثر؟

•أم يستمرون في رهانهم على عدم قدرة بنك السودان على الاستمرار في هذه السياسة، مما يعرضهم لمزيد من الخسائر مستقبلًا؟

7

1. إجراءات البنك المركزي تجاه الذهب

ضمن حزمة الإجراءات، اتخذ البنك خطوتين مهمتين تجاه الذهب:

•الشراء من الشركات والسوق: يقوم البنك بشراء الذهب من الشركات والسوق بسعر السوق العالمي. (أمس، اشترى البنك المركزي الذهب عيار 21 بسعر 580 بحسب إفادة مدير شركة لونا).

•تقييد أرباح المشتقات البترولية: أصبح شراء الذهب لبيعه خارج الحدود غير مجدٍ ولا يعود بفوائد، وذلك لسببين:

◦الأول: تقييد الأرباح في المشتقات البترولية بسعر معلن. فقبل الإجراءات الجديدة، كان المستوردون يشترون الذهب بأسعار أعلى من السوق العالمي ويعوضون خسائرهم في الذهب بالأرباح الضخمة من البترول. الآن، سعر المشتقات محدد سلفًا بناءً على السعر العالمي، مضافًا إليه التكاليف والضرائب الحكومية. هذا أغلق بابًا مهمًا، إذ لا يمكن شراء الذهب بخسارة وبيع البترول بأرباح تغطي تلك الخسائر.

8

1. ضخ السيولة في الأسواق وآفاق الاستقرار الاقتصادي

ضمن حزمة الإجراءات أيضًا، ضخ بنك السودان سيولة في الأسواق بمستوى معين لا يؤثر على معدلات التضخم، بهدف إنعاش البيع والشراء في أسواق الذهب وتمويل الموسم الزراعي.

9

تشير المؤشرات إلى أن هذه الحزمة من الإجراءات تحقق نجاحات متوالية. وإذا استمرت هذه النجاحات للأسبوع الثالث والرابع، فإن ذلك سيخلق استقرارًا طويل الأمد في سوق المشتقات البترولية وأسواق الذهب، بالإضافة إلى استقرار في سعر الصرف. هذا الاستقرار سيوفر الوقت اللازم لنهوض قطاعات اقتصادية أخرى لمعالجة الميزان التجاري وميزان المدفوعات بشكل نهائي، وهو ما يمثل الحل الجذري للاستقرار الاقتصادي الشامل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى