رأي

«لحن الحياة»… عبقرية عوض الكريم القرشي وروعة ألحان وأداء عثمان الشفيع

بقلم: د. هاشم عبدالسلام
تُعد أغنية «لحن الحياة» واحدة من الأعمال الغنائية التي تجاوزت حدود الطرب العابر لتستقر في الوجدان السوداني، بما تمثله من نموذج متميز لتكامل الكلمة واللحن والأداء. فقد اجتمعت فيها شاعرية عوض الكريم القرشي، الذي صاغ كلماتها، مع العبقرية اللحنية والأداء التعبيري للفنان عثمان الشفيع، لتولد تجربة فنية متكاملة، استطاعت أن تعبر الأجيال وتجد طريقها إلى أصوات عدد من كبار الفنانين، من بينهم الكابلي وزيدان إبراهيم وعبد المنعم الخالدي.
تبدأ الأغنية بعبارة تختزل عالمها الشعري والموسيقي:
«لحن الحياة منك وما تقول نسينا الماضي»
في هذه العبارة تتجلى براعة القرشي في بناء الصورة الشعرية؛ فالمحبوب ليس مجرد موضوع للغزل، بل هو مصدر اللحن الذي تنتظم به الحياة، وكأن وجوده يمنح الأشياء إيقاعها ومعناها. أما استدعاء الماضي فيكشف عن عتاب رقيق، يمزج الاعتزاز بالحب بالخوف من أن يُساء فهم الصمت أو المسافة.
ويواصل الشاعر رسم ملامح هذه العلاقة بقوله:
«سألوني منك عرفتهم إيه الصفات عنك خبرتهم»
هنا يخرج الغزل من دائرة المناجاة الفردية إلى فضاء الحوار مع الآخرين، فيصبح جمال المحبوب موضوعاً للسؤال والشهادة. وهي صياغة بسيطة، لكنها تمنح النص حيوية وقرباً من وجدان المستمع.
وفي قوله:
«ساحرني بي محيو جنني وآسر شاغلني بي نورو الكم أخجل القمر»
تبلغ الصورة الشعرية ذروة المبالغة الغزلية المحببة؛ إذ يتجاوز جمال المحبوب حدود الوصف المألوف، حتى يصبح القمر نفسه موضع مقارنة أمام نوره. وهي صورة تستثمر الموروث الغزلي في لغة قريبة من الحس السوداني، تجمع بين العذوبة والخيال والصدق العاطفي.
أما موسيقياً، فيقدم عثمان الشفيع لحناً يجمع بين البساطة والحداثة في البناء. فعلى الرغم من دائرية الجمل الموسيقية وسهولة تلقيها، فإنها تكشف عن تركيب لحني أكثر عمقاً، يقوم على التوازن بين التكرار والتجديد، والاستقرار والتحول النغمي.
ويمنح اختيار سلم لا مينور (A minor) العمل مساحة تعبيرية تتسق مع أجواء الحنين والشجن والرقة التي تسري في النص. كما يضفي الإيقاع الثلاثي الرشيق حيوية ومرونة على الجمل اللحنية، بينما تؤدي اللازمة دوراً محورياً في ترسيخ الهوية الموسيقية للأغنية، بوصفها نقطة ارتكاز يعود إليها المستمع بعد تنقله بين الصور الشعرية والحالات الوجدانية المختلفة.
وتتجلى خصوصية الشفيع في قدرته على تطويع العناصر الموسيقية لخدمة المعنى، دون أن يطغى الحزن على العذوبة أو تتحول الرقة إلى استرسال رتيب. فقد جمع بين ثراء التركيب وسهولة التلقي، وهي معادلة لا تتحقق إلا بوعي موسيقي وحس تعبيري.
ولم يكن أداء الشفيع مجرد نقل للكلمات والنغمات، بل أسهم في تشكيل الشخصية الفنية للأغنية، من خلال قدرته على استيعاب المعنى الشعري وترجمته إلى إحساس صوتي متماسك. وعندما انتقلت الأغنية إلى أصوات الكابلي وزيدان إبراهيم وعبد المنعم الخالدي، أثبتت قدرتها على استيعاب اختلاف المدارس التعبيرية، مع احتفاظها بهويتها اللحنية وجمالها الأصلي.
إن سر بقاء «لحن الحياة» يكمن في هذا التلاحم بين شاعرية عوض الكريم القرشي وخصوصية تلحين عثمان الشفيع وأدائه؛ فالأول منحها الكلمة والصورة، والثاني حوّل الشعر إلى بناء موسيقي نابض بالحياة. لذلك لم تعد الأغنية مجرد عمل عاطفي، بل أصبحت جزءاً من الذاكرة الغنائية السودانية، وشاهداً على قدرة الإبداع السوداني على إنتاج أعمال تتجاوز زمنها، وتظل حاضرة في وجدان الأجيال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى