تشهد بحيرة النوبة بوادي حلفا منذ أكثر من أسبوعين كارثة بيئية خطيرة، إثر تلوث كامل للمياه بالطحالب؛ مما تسبب في نفوق الأسماك واضطرار مواطني المنطقة لشراء المياه المعدنية للشرب
. وتمتد بحيرة النوبة من السد العالي إلى منطقة “دال” بطول 280 كيلومتراً، منها 150 كيلومتراً داخل الحدود السودانية، وقد بدأ التخزين فيها منذ العام 1965 وحتى الآن.
شكاوى المواطنين
روى علاء الدين أبوزيد لـ “المحقق” معاناتهم في الحصول على مياه الشرب بعد التلوث الذي أصاب البحيرة، قائلاً: “إن إنسان المنطقة اضطر للجوء إلى وسائل بدائية لتوفير مياه شرب نظيفة، وذلك عبر غليها وتصفيتها بقطع الشاش، أو الشرب من (نقاع الزير)، أو شراء المياه المعدنية”.
كما أفاد المواطن مبارك سليمان، من سكان حلفا، لـ “المحقق” بأن الطحالب ظهرت في البحيرة قبل أكثر من أسبوع وكست سطحها بكميات مهولة، ذات لون أخضر شديد ورائحة نفاذة. لافتاً إلى اعتماد سكان المنطقة على مياه الشرب من خليج (خور) شمالي مدينة حلفا، وهي مياه مخزنة لسنوات، بدلاً من إنشاء المحطة في مناطق المياه الجارية جنوب المدينة بمنطقة (جمي)، حيث إن المياه هناك جارية وليست راكدة كما في الخور.
توقف الضخ
وكشف سليمان أن كثافة الطحالب في البحيرة تسببت في توقف ضخ المياه؛ نظراً لتواجد الطحالب وتكاثرها داخل المواسير، وتأكد ذلك من خلال الرائحة النفاذة التي تنبعث عند ضخ تلك المياه.
مطالبات رسمية
أكد سليمان مطالبتهم للجهات الصحية بإجراء اختبار لتلك المياه للتأكد من صلاحيتها للاستعمال من عدمه، وتابع: “رغم أننا نشك في أن تكون تلك الطحالب صحية وغير مؤثرة على صحة البشر”
. ودعا سليمان الجهات المختصة لتحويل محطة المياه إلى منطقة “جمي” جنوب المدينة التي تبعد عنها بحوالي 22 كيلومتراً، وأبان أن المحطة الحالية تقع شمال المدينة بحوالي 15 كيلومتراً، ولا يمكن ضخ المياه من الأرض المنخفضة للأعلى؛ حيث إن ارتفاع المدينة عن المحطة الحالية يتجاوز 20 متراً، بينما يبلغ الارتفاع جنوب المدينة أكثر من 15 متراً.
تغيير المحطة
واقترح سليمان حل المشكلة بتغيير موقع محطة المياه الحالية إلى جنوب المدينة، حيث المياه الجارية وعلو السطح عن المدينة وسهولة الانسياب، بدلاً من صرف مبالغ طائلة على المحطة الحالية دون توفير مياه كافية ونقية، خاصة وأن المدينة تشهد توسعاً كبيراً.
ظاهرة الـ 12 ساعة
مدير مكتب المياه بمدينة حلفا، علي أحمد علي، قال في تفسيره للظاهرة: إن طحالب البحيرة سنوية، وكانت عبارة عن كتل تظهر مع بداية فصل الصيف، وبعد بناء سد مروي تغيرت إلى مخلوط يتواجد بكثافة عالية جداً عند انخفاض الضغط الجوي أو الاحتباس الحراري. وزاد: “عندما تكون البحيرة ساكنة، فإن ذلك يخلق جواً مناسباً جداً للتكاثر مع ضوء الشمس وعدم حركة المياه، ما عدا شريط المجرى الرئيسي لنهر النيل”.
وأوضح مدير مياه حلفا أن الظاهرة كانت تستغرق في الأعوام الماضية مدة أقصاها 3 ساعات فقط، وتنتهي بحركة الأمواج، ومع أقل نسمة هواء تختفي تماماً، أما هذا العام فقد استغرقت وقتاً أطول يصل إلى 12 ساعة.
وتابع: “خطورة هذه الطحالب تكمن في المساء؛ لأنها نبات يعتمد في تمثيله الغذائي على سحب الأكسجين من الماء وإفراز ثاني أكسيد الكربون، مما يتسبب في نفوق الأسماك، وينتج عن تحلل الطحالب بعد موتها بكتيريا تفرز رائحة كريهة”.
وأكد المهندس علي تسبب الطحالب في حدوث سميات بالبحيرة، غير أنه أشار إلى صعوبة تقدير نسبتها قبل تحليل العينات وظهور النتائج النهائية، مشيراً إلى حدوث نقاء ملحوظ في لون المياه بعد جلاء الظاهرة.
وكشف عن اضطرار إدارة المياه لإيقاف تشغيل المحطة إذا تجاوزت المشكلة الحد المسموح، مشيراً إلى وجود خلل في تصميم المحطة يجعل من الصعب إزالة لون ورائحة المياه، مبيناً قيامهم بتنظيفها بالمياه النظيفة عقب انتهاء الطحالب.
موسى باشا
وقال وكيل وزارة الثروة الحيوانية، عمار الشيخ، لـ “المحقق”: إن الظاهرة ليست داخل بحيرة النوبة بل في (خور موسى باشا)، وهو لسان خارج من البحيرة، ومعلوم أن الألسنة المائية معرضة دوماً للتلوث وشح الأكسجين ونمو الطحالب، وهذا ما حدث للخور
. وأكد قيام الوزارة بإرسال فريق يعاونه فريق من الولاية الشمالية، حيث تم أخذ العينات للمعمل وفي انتظار النتائج. وقال: “التقديرات تشير لعدم وجود سموم أو مواد كيميائية خطرة، وأن نفوق الأسماك يعود في الغالب لتكاثر الطحالب، ولا نزال في انتظار نتيجة المختبر”.
أوامر بالإغلاق
ووجه الأمين العام للمجلس الأعلى للثروة الحيوانية والسمكية والمراعي بالولاية الشمالية، د. الطيب حبيب الله، بإغلاق خور موسى باشا ببحيرة النوبة وحظر الصيد به اعتباراً من اليوم الإثنين 4 مايو، إلى حين اكتمال التقصي الحقلي ومعرفة أسباب ظاهرة ارتفاع المغذيات بالبحيرة وظهور الازدهار الطحلبي.
وهدف القرار إلى إعطاء الكوادر الفنية فرصة لإكمال عمل التقصي الحقلي واحتواء الظاهرة وحصرها في منطقة خور موسى باشا، ومتابعة عدم انتقالها لبقية البحيرة، وتطبيق عمليات الأمن الحيوي والتطهير والتعقيم لمنطقة ظهور الطحالب عبر فريق العمل الفني، حفاظاً على صحة وسلامة المخزون السمكي، ومكافحة أي ملوثات تهدد المنطقة أو صيداً جائراً بها، ويمتد الإغلاق لحين صدور تقرير ختامي من فريق العمل الفني لإدارة وبحوث الأسماك ومجلس الصحة الواحدة بالولاية الشمالية.
ازدهار طحلبي
وقال عثمان ميرغني محمد علي، الخبير بمعهد الدراسات البيئية بالخرطوم لـ “المحقق”: إن هذه الظاهرة حدثت من قبل في العام 1982، وكان السبب الرئيسي هو تكاثر طحلب Ceratium hirundinella وهو من عائلة السوطيات.
وأشار إلى أن سببها هو “الازدهار الطحلبي” الذي ينتج غالباً عن وصول كميات كبيرة من المغذيات الكيميائية كالفوسفور والنيتروجين إلى المجرى المائي، سواء عبر الصرف الزراعي أو المخلفات العضوية، ومع الارتفاع الحاد في درجات الحرارة وركود حركة المياه في هذه المناطق، تتحول هذه العناصر إلى وقود لنمو انفجاري للطحالب الخضراء المزرقة التي تحجب ضوء الشمس وتستنزف الأكسجين المذاب؛ مما يؤدي في النهاية إلى اختناق الأسماك ونفوقها.
وضع مقلق
وترى الباحثة في أحياء المياه العذبة، د. سماح مكاوي لـ “المحقق”: أن ما يحدث في بحيرة النوبة من نفوق للأسماك وتغير لون الماء للأخضر وتغير رائحته، مؤشرات تُعرف علمياً بـ “الازدهار الضار للطحالب”، وهو تكاثر مفرط لنوع من البكتيريا يُسمى “السيانوبكتيريا” (الطحالب الخضراء المزرقة).
وذكرت أن هذه الظاهرة معروفة في نهر النيل، غير أن حجمها الحالي ببحيرة النوبة مقلق، مشيرة إلى أن نفوق الأسماك ناتج على الأرجح عن نقص الأكسجين في الماء بسبب هذا التكاثر.
وأطلقت د. مكاوي تحذيرات بخصوص مياه الشرب، قائلة: إن المياه المتاحة للاستخدام قد تكون غير آمنة الآن إذا ظهرت فيها رائحة أو عكارة أو خضرة في اللون؛ لأنها قد تسبب مشاكل صحية.
وطالبت مواطني حلفا باستخدام فلاتر للمياه، خاصة فلاتر الفحم النشط إن توفرت لكونها الأكثر فعالية، أو الشاش للتنقية في حال انعدامها.
إرشادات
ودفعت مكاوي بجملة من الإرشادات للمواطنين، منها سحب المياه من أعمق نقطة ممكنة وأبعدها عن المناطق الخضراء أو المتغيرة اللون في البحيرة، وعدم الاعتماد على الغلي فقط؛ لأن غلي المياه لا يزيل سموم الطحالب، بل قد يجعلها أكثر خطورة لأنه يُفجّر خلايا الطحالب ويُطلق سمومها بشكل أكبر. وأضافت: “في حالة حدوث ازدهار بهذا الحجم، لا توجد طريقة منزلية بسيطة تضمن سلامة مياه الشرب بشكل كامل، والخيار الآمن هو المياه المعبأة أو استجلاب المياه من مناطق غير متأثرة، لحين عودة المياه إلى لونها الطبيعي وزوال الطحالب والرائحة”.
الأبحاث المائية تحقق
تواصل موقع “المحقق” مع مدير إدارة الأبحاث المائية بحلفا، د. علي عوض مدني، الذي رفض الإدلاء بتفسير لظاهرة التلوث بالبحيرة، مكتفياً بالقول: “نحن لا نستطيع الإدلاء بأي تصريح والتحقيقات مستمرة”
. غير أنه أكد في تصريحات سابقة أن ظاهرة نفوق الأسماك ببحيرة النوبة طبيعية وتحدث كل سنة مع بدايات الصيف، حيث ترتفع درجات الحرارة ويهدأ المجرى المائي وتزداد حركة الأمواج، مما ينشط ازدهار ونمو الطحالب بشكل متسارع
. وأبان أن هذه الظاهرة تحدث في مناطق الخيران والخلجان الصغيرة الضيقة، وغالباً ما تأتي الأسماك لهذه المناطق للتوالد، أما الأسماك التي توجد نافقة في عرض البحيرة فهي غالباً الأسماك التي أصيبت في الخيران لكنها قاومت حتى خرجت للمجرى.
لا وفيات وإصابات
ونفى مدير الحجر الصحي بحلفا، المعز مجذوب لـ “المحقق” حدوث أو رصد أي حالات وفاة أو إصابات في أوساط مواطني المنطقة بسبب مياه البحيرة، مشيراً لمتابعتهم المستمرة مع المراكز العلاجية والمستشفيات خلال الأيام القادمة.
دراسة حول ظاهرة نفوق الأسماك
وأشارت دراسة حصل عليها “المحقق” إلى أن مسببات موت الأسماك في الأنهار ترتبط أغلبها بتلوث المياه أو تغير ظروفها، كنقص الأكسجين الذائب (DO)، وهو السبب الأول في 90% من الحالات، ويحدث نتيجة زيادة النيتروجين والفوسفور من الصرف الزراعي والصحي، مما يؤدي لنمو طحالب كثيفة، ثم تموت هذه الطحالب وتتحللها البكتيريا مستهلكة الأكسجين، بالإضافة لارتفاع درجة حرارة المياه في الصيف مما يقلل ذوبان الأكسجين وركود المياه الذي يسبب الاختناق. ومن المسببات أيضاً “الكلور” حال صرف جرعات زائدة من محطات المياه، علاوة على تغير درجة الحرارة المفاجئ، أو صرف المصانع ومحطات الكهرباء، كما أن البرد المفاجئ يتسبب في موت أنواع الأسماك التي لم تتعود على درجات الحرارة المنخفضة.
من المحررة
لا بد للجهات الرسمية بالولاية الشمالية والمركز من الإسراع في حل مشكلة تلوث بحيرة النوبة حتى لا تتفاقم الكارثة من نفوق الأسماك إلى نفوق الحيوان والإنسان بسبب العطش والتلوث؛ لأن حياة الإنسان لا تنتظر البيروقراطية الرسمية في التحقيقات والتحليل والفحص.