القاهرة – سماح طه
وسط مشاهد إنسانية امتزجت فيها دموع الفراق بفرحة العودة، ودعت محطة مصر برمسيس بالقاهرة، الاحد ، أولى رحلات العودة الطوعية للسودانيين إلى بلادهم عبر قطار “ديوان الزكاة”، الذي حمل على متنه 1200 مواطن سوداني قرروا العودة إلى الوطن بعد أشهر طويلة فرضتها ظروف الحرب والنزوح.
وشهد الرصيف رقم (8) بمحطة مصر حركة استثنائية منذ ساعات الصباح الأولى، حيث توافدت مئات الأسر السودانية حاملة حقائبها وأحلامها بالاستقرار، فيما انتشرت فرق التنظيم والمتطوعون للإشراف على إجراءات السفر وتقديم المساعدة للعائدين.
أولوية للمرضى وكبار السن
وأكد المهندس محمد وداعة، رئيس لجنة الأمل للعودة الطوعية، أن اللجنة وضعت معايير إنسانية واضحة لاختيار المستفيدين من الرحلة الأولى، حيث تم منح الأولوية للمرضى وكبار السن والنساء وذوي الاحتياجات الخاصة.
وقال وداعة إن برنامج العودة الطوعية يمثل مشروعاً وطنياً وإنسانياً كبيراً، مشيراً إلى أن الرحلات ستتواصل خلال الفترة المقبلة عبر القطارات والبصات ضمن خطة تستهدف إعادة نحو 100 ألف مواطن سوداني خلال الأشهر الثلاثة القادمة.
ودعا رئيس اللجنة المسافرين إلى الالتزام بالأوزان المحددة للأمتعة والضوابط المنظمة للرحلات، مؤكداً أن نجاح البرنامج يعتمد على تعاون الجميع واحترام الإجراءات الموضوعة.
مساران للوصول إلى السودان:
وكشفت اللجنة عن تقسيم العائدين إلى مسارين لتسهيل عمليات النقل والوصول.
ويضم المسار الأول 600 راكب غادروا القاهرة عبر القطار إلى محطة السد العالي بمدينة أسوان، على أن يواصلوا رحلتهم في اليوم التالي عبر الباخرة النيلية إلى وادي حلفا، ومنها إلى الخرطوم.
أما المسار الثاني فيشمل 600 راكب آخرين تم تفويجهم بواسطة البصات مباشرة إلى مدينة وادي حلفا، قبل مواصلة الرحلة براً إلى الخرطوم.
من جانبه أعلن رئيس لجنة العودة للديار بديوان الزكاة ومدير إدارة الإحصاء وتقنية المعلومات بالديوان الأستاذ الأمين علي عبدالقادر، عن تشكيل لجان متخصصة لاستقبال العائدين وتقديم المساعدة لهم فور وصولهم إلى نقاط العبور المختلفة.
وأوضح أن برنامج العودة لا يقتصر على السودانيين الموجودين في مصر فقط، بل يشمل كذلك المواطنين الموجودين في ليبيا ويوغندا وتشاد، ضمن خطة متكاملة لتسهيل عودة السودانيين الراغبين في الرجوع إلى بلادهم.
وأكد أن اللجان ستعمل على تذليل العقبات أمام العائدين ومساعدتهم في الوصول إلى وجهاتهم النهائية داخل السودان.
أزمة الأمتعة تربك إجراءات السفر :
ورغم نجاح عملية التفويج، واجهت الرحلة بعض التحديات المرتبطة بالأمتعة الزائدة، حيث تسبب عدم التزام بعض المسافرين بالأوزان المقررة في تكدس كبير داخل المحطة وخلق صعوبات لوجستية أثناء تجهيز القطار.
وأوضح المهندس محمد وداعة أن بعض المسافرين اصطحبوا أمتعة تفوق الحد المسموح به بصورة كبيرة، الأمر الذي أدى إلى تأخير بعض الإجراءات وصعوبات في إغلاق أبواب القطار بصورة طبيعية.
كما كشف عن تمكن بعض الأشخاص غير المسجلين في النظام الإلكتروني من الصعود إلى القطار، وهو ما تسبب في ازدحام إضافي وأثر على المقاعد المخصصة للمسجلين رسمياً.
ثلاثة بصات تنهي الأزمة:
وفي استجابة سريعة للموقف، تحركت لجنة الأمل للعودة الطوعية بالتعاون مع ديوان الزكاة لمعالجة الأزمة ميدانياً.
وقاد المهندس محمد وداعة والأستاذ الأمين علي عبدالقادر جهوداً مباشرة لإيجاد حلول عاجلة، أسفرت عن توفير ثلاثة بصات إضافية لنقل عدد من العائدين وأمتعتهم.
وساهمت هذه الخطوة في تخفيف الازدحام بصورة كبيرة، ومعالجة الاختناقات التي صاحبت عملية التفويج، وضمان استمرار الرحلة وفق البرنامج المقرر دون إلغاء أو تعطيل.
وأكدت اللجنة أن التدخل السريع حال دون تفاقم الأزمة، وأتاح استكمال إجراءات السفر للعائدين بصورة أكثر انسياباً وتنظيماً.
قطار إضافي وإيواء للأسر المتأخرة
وأشار وداعة إلى أن الازدحام الناتج عن الأمتعة الزائدة وصعود غير المسجلين أدى إلى حرمان بعض الأسر من الصعود إلى القطار رغم استكمالها للإجراءات الرسمية.
وأوضح أن اللجنة اضطرت إلى توفير قطار إضافي لاستيعاب المسجلين، كما جرى التنسيق مع ديوان الزكاة لتوفير إقامة مؤقتة للأسر التي تخلفت عن الرحلة داخل مقرات مخصصة بمنطقة العزيزية بوسط القاهرة، إلى حين ترتيب سفرها في أقرب فرصة.
وأكد أن اللجنة لن تترك أي مواطن دون معالجة أو بدائل مناسبة، مشيراً إلى أن جميع الحالات المتأثرة جرى التعامل معها بصورة عاجلة.
مراجعة تجربة القطار
وكشف رئيس لجنة الأمل للعودة الطوعية أن اللجنة تدرس بصورة جادة تقييم تجربة التفويج عبر القطارات بعد التجاوزات التي صاحبت الرحلة الحالية.
وأشار إلى أن استمرار المخالفات المتعلقة بالأمتعة أو تجاوز إجراءات التسجيل قد يدفع اللجنة إلى مراجعة خيارات النقل مستقبلاً، بما يضمن سلامة الإجراءات وتحقيق العدالة بين جميع المسافرين.
وشدد على أن الالتزام بالضوابط المنظمة للرحلات يمثل حجر الزاوية في نجاح مشروع العودة الطوعية واستمراره خلال الفترة المقبلة.
الوطن ينتظر أبناءه:
ولم تكن الرحلة مجرد انتقال من دولة إلى أخرى، بل حملت معها قصصاً طويلة من النزوح والغربة والحنين إلى الوطن.
وعلى أرصفة محطة مصر، بدا المشهد أقرب إلى لحظة استثنائية في حياة مئات الأسر السودانية التي حملت ما استطاعت حمله من متاع وذكريات، وهي تتطلع إلى بداية جديدة في وطن أنهكته الحرب لكنه ما زال قادراً على استعادة أبنائه.
ومع انطلاق صافرة القطار الأولى، بدأت رحلة العودة، ليس فقط نحو الخرطوم ومدن السودان المختلفة، وإنما نحو الأمل في استعادة الحياة والاستقرار بعد سنوات من المعاناة والانتظار.