أدريس البغدادي
في أزقة (الثورة) بأم درمان حيث يرتفع صوت الأذان منسكباً بالطمأنينة كان هناك شيخٌ وقور أفنى عمره بين المحراب و المنبر .. لم يكن ذنبه سوى أنه (أب) قرر أن يحمي إبنته من جحيم زوجٍ أدمن السكر و العنف .. رفض الإمام أن يعيد فلذة كبده إلى (سكير) استمرأ الإهانة، فجاء الرد من حيث لا يحتسب .. بلاغٌ كيدي لدى لجنة إزالة التمكين .
أربعة أشهر قاسية غُيب فيها الشيخ خلف القضبان و مُنع عنه الدواء و حُرمت أسرته من رؤيته لا لشيء إلا لأن (صعلوكاً) يرتدي ثوب “المقاومة” الزائف ، قرر تصفية حساباته الشخصية مع والد زوجته (إمام المسجد) عبر بوابة السلطة السياسية .. لحظة الحقيقة تجلت حين جاء رجل من أهل الحي ليكون ضامنا لإمام المسجد .
دمعات تهبط لتصعد الحقيقة
بعد أن وقع الضامن على الأوراق أراد الضابط أن يُشرعن الظلم فقال بنبرة الواثق : أنصحكم أن تحذروا من هذا الرجل ، فملفه يقول إنه يسرق أموال المسجد .. هنا لم يجد الضامن كلمات يرد بها .. بل إنفجرت عيناه بدمعات حَرّى غسلت زيف الادعاء قبل أن ينطق بحرف.. تقدم نحو الضابط و صوته يرتجف بالبكاء المكتوم : والله يا سعادتك نسرق كلنا إلا هو .. أنت ياسعادتك ما عارف الحقيقة .. بدأ الضامن يستدرج الضابط الى فخ الحقيقة المرة : أليس المُبلغ و الشاكي في هذه القضية هو فلان الفلاني؟ .. يقلب الضابط الأوراق ببرود : “نعم .. هو” .. إنفجر الضامن: “هذا الشاكي، (عضو لجنتكم) هو زوج إبنة الإمام الذي سجنتمهو ظلما .. ضربها و أذلها و لما رفض الشيخ إعادتها إليه بعد الطلاق ، إستعان بلجنتكم ليعاقب عمّه بسجن التمكين .. أربعة أشهر و الشيخ محروم من الدواء و الزيارة و اليوم تطلبون ضامناً لأنكم خفتم أن يموت بين أيديكم بعد أن هدّ جسده النحيف المرض .
سقط القناع .. خفض الضابط رأسه في انكسارٍ لم تشفع له فيه رتبته و بصوتٍ ميت قال : خلاص، أمشي سوق زولك و إتخارج .. قال الضامن للضابط : بعد أن عرفت الحقيقة أليس من العدالة أن تنصف الرجل ؟ نطق الضابط بالشهادة الجارحة : “هنا مافي عدالة .. و أنا بالكاكي اللابسو دا ما بقدر أعمل حاجة .. أحتسب و إتخارج إنت زولك دا .. يصر الضامن و يطلب من الضابط أن يمكنه من مقابلة المسؤول إن لم يكن هو قادر علي تحقيق العدالة .. يرد عليه الضابط ببرود : ما وجدته عندي هنا لن تجده عند الملكية نصيحتي لك إتخارج .. و بالفعل غادر الضامن مكتب ضابط الشرطة و مبنى اللجنة في شارع الجمهورية ليلحق بقسم الشرطة المجتمعية بالمقرن ليكمل إجراءات إطلاق سراح إمام مسجد الثورة الحارة (نمسك عن الأسماء لتقديرات إنسانية) .
من المهم شرح ذلك قانونيا و إنسانيا و قيميا .
توصيف الحالة .. خصخصة القهر
تصفية الحسابات : تم منح (مبلّغ) ذو خلفية مهزوزة سلطة تحريك أجهزة الدولة ضد (إمام وقور) لخلاف أسري ، ما يعني إنهياراً كاملاً لقيم القانون .
العجز المؤسسي : إعتراف الضابط بقلة حيلته يمثل إعلان وفاة لدولة المؤسسات حيث تغولت اللجنة السياسية على هيبة الكاكي و ألغت دور الشرطة و القضاء .
القتل المعنوي والجسدي: تغييب شيخ مسن بلا تهمة أو رعاية هو (شروع في قتل) و إبتزازه بطلب (ضامن) عند تدهور صحته هو ذروة “الدناءة الإجرائية” .
التوصيف القانوني والأبعاد الحقوقية
تتلخص الأبعاد القانونية لهذه الواقعة فيما يلي :
الإحتجاز غير القانوني : حجز الإمام أربعة أشهر بلا تهمة أو قضاء هو إنتهاك للمادة (9) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و للوثيقة الدستورية ما يُحول القضية إلى (اختطاف مقنن).
إساءة استخدام النفوذ: تحويل خلاف أسري لملف (فساد مالي) هو قمة الإنحراف بالسلطة و توظيف اللجنة كأداة لتصفية الحسابات الشخصية .
انتهاك الحق في الصحة: حرمان مسن مريض من الدواء والزيارة يُعد (تعذيباً نفسياً وجسدياً) يخالف المواثيق الدولية الملزمة برعاية المحتجزين.
انهيار الضمانات القضائية: إعتراف الضابط بالعجز يؤكد انهيار المؤسسة العدلية وتحول الشرطة من حارس للقانون إلى منفذ لإرادة سياسية .
نماذج من الأسى
ومع ذلك هناك العديد من التقارير و الشهادات التي توثق حالات وفاة مأساوية ارتبطت بشكل مباشر بأعمال اللجنة و تعكس حجم الظلم الممارس :
وفاة “عبيد الله سليمان عبيد الله”(رئيس بنك النيلين سابقاً) : تم إعتقاله من قبل لجنة إزالة التمكين و كان مسناً و مريضاً .. تدهورت حالته الصحية بشكل خطير داخل المعتقل بسبب نقص الرعاية الطبية و الإهمال المتعمد مما إستدعى نقله للمستشفى حيث فارق الحياة .. إعتبرت أسرته وقطاعات واسعة من الرأي العام وفاته (جريمة قتل بدم بارد) نتيجة الإهمال في المعتقل .
وفاة “عمر خير الله” (مسؤول سابق في ولاية نهر النيل) : إعتقلته لجنة إزالة التمكين .. أصيب بجلطة دماغية أثناء احتجازه و تأخرت اللجنة في تقديم الرعاية الطبية اللازمة له مما أدى لوفاته .. كانت وفاته صدمة كبيرة و دفعت بالعديد من الحقوقيين للمطالبة بفتح تحقيق دولي في ممارسات اللجنة .
تقارير حول وفيات داخل الحراسات .. هناك تقارير متواترة و إن كانت تفتقر في بعض الأحيان للتوثيق القضائي الكامل عن وفيات داخل حراسات أقسام الشرطة التي كانت تستخدمها اللجنة و ذلك نتيجة لسوء المعاملة، التكدس، غياب التكييف و الرعاية الصحية و أحياناً التعذيب الجسدي أثناء التحقيق .
حالات القهر النفسي التي أدت للوفاة .. هناك الكثير من الحالات لرجال و نساء مسنين فقدوا كل ممتلكاتهم و وظائفهم نتيجة قرارات (تعسفية) للجنة دون أي مسوغ قانوني أو حق في الإستئناف . لم يتحمل هؤلاء حجم القهر والظلم فأصيبوا بجلطات قلبية أو دماغية قاتلة بعد فترات قصيرة من صدور القرارات. هؤلاء هم (ضحايا القهر غير المرئيين) .
عموما .. لقد خلقت ممارسات لجنة إزالة التمكين (مظلمة تاريخية) شملت الألاف و خلفت وراءها أرامل ، أيتام ، و بيوتاً هُدمت .. لم يكن الأمر مجرد (إجراءات قانونية) بل كان (حملة قهر) ممنهجة إستهدفت الكثير من الأبرياء الذين وقعوا ضحية الكيد السياسي .. هذه هي التفاصيل الموجعة التي تجعل من قصة إمام “الثورة” و دموع ضامنه حكاية تضاهي تراجيديات التاريخ شاهدًا أبديًا على ما يحدث حينما يتم تسييس العدالة و تغيب الإنسانية .