رأي

في وداع الدكتور التيجاني عبد القادر حامد

فتحي حسن ملكاوي

فُجعتُ صباح اليوم بنبأ وفاة الأخ والصديق الدكتور التيجاني عبد القادر حامد، في العاصمة القطرية الدوحة. وما زاد وقع الخبر في نفسي أنني كنت، قبل أيام قليلة، أتلقى منه كلمات العزاء والمواساة في وفاة ابنتي هبة، فإذا بي اليوم أعزّي فيه زوجته الكريمة أم عمر وأفراد أسرته، وأعزّي نفسي وعائلتي بفقده، وأعزّي أهل السودان، وزملاءه وتلاميذه في الجامعات السودانية، وأصدقاءه وزملاءه وتلاميذه في الولايات المتحدة وماليزيا والإمارات وقطر، وسائر من عرفه وعمل معه وتعلّم على يديه في أنحاء العالم.
عرفتُ الدكتور التيجاني للمرة الأولى عام 1995، عندما عُيّن مديرًا لإدارة التأصيل في وزارة التعليم العالي السودانية، فأصبح بحكم موقعه حلقة وصل مهمة مع برامج المعهد العالمي للفكر الإسلامي. وكان له دور بارز في الترتيب للدورة التدريبية لأعضاء هيئات التدريس في الجامعات السودانية، التي عُقدت في ديسمبر 1995 في حنتوب بجامعة الجزيرة. ومنذ ذلك اللقاء بدأت معرفةٌ تحوّلت مع الأيام إلى صداقة وزمالة فكرية وثيقة.
ثم عرفته عن قرب سنواتٍ عدة عندما كان يعمل في جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية في فرجينيا بالولايات المتحدة، وشارك معي بضع سنوات في تحرير مجلة «إسلامية المعرفة». وكان ذلك مجالًا رحبًا للحوار والتشاور وتبادل الرأي في قضايا الفكر والمعرفة والإصلاح. ولم تنقطع هذه الصلة بعد ذلك، بل ظل التواصل والتشاور بيننا قائمًا عبر السنوات، على الرغم من تعدد البلدان والمؤسسات والمواقع التي عمل فيها كلٌّ منا.
كان التيجاني، رحمه الله، رجلًا متميزًا في شخصيته وفكره: هادئ الطبع، عميق التفكير، حاضر الذهن، نافذ البصيرة، بعيدًا عن الضجيج والاستعراض. وكان لافتًا في طريقة تدبره للقرآن الكريم واستنطاقه له في فهم قضايا الإنسان والمجتمع والأمة، وفي قدرته على وصل النظر الفكري بالواقع، وعلى قراءة الأحداث والتحولات قراءةً تتجاوز ظاهرها إلى ما وراءها من سنن ودلالات. وقد ظلّت قضايا الأمة وهمومها حاضرة في تفكيره وكتاباته وحواراته، يحملها بعقل الباحث وبصيرة المفكر وحرص المصلح.
وبرحيله لا تفقد أسرته رجلًا عزيزًا فحسب، ولا يفقد السودان واحدًا من أبنائه ومفكريه، وإنما تفقد دوائر واسعة من زملائه وتلاميذه وأصدقائه، في بلدان كثيرة، عالمًا ومفكرًا ومربيًا وصديقًا ترك فيمن عرفوه أثرًا من علمه وفكره وخلقه.
رحم الله الدكتور التيجاني عبد القادر حامد رحمة واسعة، وغفر له، ورضي عنه، وأكرم نزله، وجعل ما قدّمه من علم وفكر وتربية وعمل في ميزان حسناته، وبارك في آثاره وتلاميذه. وألهم زوجته الكريمة أم عمر وأفراد أسرته وأصدقاءه وزملاءه وتلاميذه جميل الصبر وحسن العزاء.
والله إنّا لفراقه لمحزونون، ولكن لا نقول إلا ما يرضي ربنا:
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
18 أيلول (سبتمبر) 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى