جرد حساب
عادل الباز
1.
صفقة البرير
أثارت الصفقة بين شركة صافولا ومجموعة مأمون البرير حديث المجالس في الخرطوم والقاهرة، واهتمامًا خاصًا لدى رجال الأعمال، إضافة إلى تغطية واسعة في القنوات الإعلامية والصحف والمواقع الإلكترونية.
وعندما انفردنا بنشر خبر الصفقة في صحيفة «الأحداث»، لم نكن نظن أن هذه الضجة ستبلغ هذا الحد، لكنها فعلت — بل أكثر مما كنا نتصور… ترى لماذا؟
1/ توقيت الصفقة… كسر لحاجز الخوف
جاءت الصفقة في وقتٍ والبلاد خارجة من الحرب، تلملم جراحها. وكان المتوقع أن أقصى ما يستطيع القطاع الخاص الصناعي فعله هو ترميم ما تبقى من مصانعه المنهوبة.
لكن مجموعة مأمون البرير قفزت مباشرة إلى المستقبل، واستحوذت على مصنع جاهز لم يتعرض لدمار كبير، لتبدأ في غضون شهرين الإنتاج مباشرة.
المصنع — بحسب التقديرات — قادر على تغطية نحو 80% من حاجة السوق السوداني، وهو ما يعني أن الاستثمار ليس مجرد مغامرة، بل مشروع ذو عائد سريع، قادر على استرداد قيمته في زمن وجيز.
هذه ليست صفقة فقط… بل إعلان عملي بأن الاقتصاد يمكن أن يبدأ قبل أن تنتهي الحرب بالكامل.
ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر في ضمان استمرارية الإنتاج وسط التحديات الأمنية واللوجستية المستمرة. نجاح هذه الصفقة سيعتمد على التعاون بين القطاع الخاص والجهات الحكومية لتوفير بيئة تشغيل مستقرة، مما يفتح الباب أمام استثمارات أكبر في قطاعات غذائية أخرى.
2/ إعادة الثقة… الرسالة التي فهمها السوق
دفعت الصفقة رجال الأعمال المترددين إلى إعادة النظر في تقديراتهم. كثيرون بدأوا يدركون أن الفرص التي تتاح في لحظات التحول الكبرى لا تتكرر، وأن الاستثمار في هذه المرحلة قد يكون أقل كلفة وأكثر عائدًا من الانتظار.
فالرسالة التي التقطها السوق واضحة: هناك شركات تضخ مئات الملايين من الدولارات، وتبني على المستقبل لا على الخوف… وهذا وحده كفيل بإعادة تدوير الثقة داخل الاقتصاد.
3/ رسالة إلى الخارج… الاستثمار ليس مغامرة
الرسالة الأهم لم تكن للداخل فقط، بل للمستثمرين في الخارج، الذين ينظرون إلى السودان باعتباره سوقًا واعدًا، لكنهم يترددون بسبب هاجس الاستقرار.
جاءت هذه الصفقة لتقول بوضوح: إن الاستثمار بهذه الرساميل الضخمة ليس مغامرة، بل استثمار ذكي في بيئة تتشكل الآن، وستكون أكثر استقرارًا في المستقبل.
2.
«مياس ساند»… السودان يعود إلى خريطة التعدين
صفقة أخرى لا تقل أهمية أثارت اهتمام الرأي العام هذا الأسبوع، وهي بيع مشروع «مياس ساند» للذهب، في خطوة تعكس التحولات الجارية في خريطة الاستثمار العالمي في قطاع التعدين.
إذ أعلنت شركة Perseus Mining Limited الأسترالية، في 16 مارس 2026، توقيع اتفاقية بيع حصتها البالغة 70% في المشروع إلى شركة Hong Kong Matrix Golden Fortune Mining Limited (التابعة لمجموعة Matrix Resources (Zhejiang) Co., Ltd. الصينية) مقابل 260 مليون دولار نقدًا. تشمل الصفقة دفعة أولى قدرها 10 ملايين دولار تم استلامها عند التوقيع، و250 مليون دولار مستحقة عند إتمام الصفقة المقرر في 22 أبريل 2026.
هذه الصفقة تؤكد أن الشركات العالمية — وخاصة الآسيوية — بدأت تعود إلى السودان، رغم التحديات، وأن قطاع المعادن يظل أحد أهم محركات الاقتصاد.
واللافت أن وزارة المعادن والشركة السودانية للمعادن تبذلان جهدًا واضحًا في تسهيل الإجراءات وجذب المستثمرين. وقد أشار أحد المستثمرين في مؤتمر اقتصادي بلندن إلى أنه تمكن من إكمال كافة إجراءاته خلال أسبوعين فقط ودون أي تعقيدات.
المطلوب الآن هو الانتقال من الفرص إلى التسويق المنظم: إعداد دراسات احترافية للمربعات التعدينية، وقيادة حملات استثمارية نحو آسيا، حيث تبدو الشركات — خصوصًا الصينية — أكثر استعدادًا للعمل في البيئات المعقدة.
3.
USSD… التحول الذي تأخر كثيرًا
شهد الأسبوع الماضي خطوة مفصلية بإطلاق خدمات مصرفية عبر تقنية USSD، بالتنسيق بين وزارة التحول الرقمي وبنك السودان المركزي.
قد تبدو الخطوة تقنية، لكنها في الحقيقة تحول اقتصادي عميق.
ما هي USSD؟
هي تقنية تتيح إجراء المعاملات المالية عبر الهواتف العادية دون الحاجة إلى الإنترنت، ما يجعلها مناسبة لمجتمع لا تزال فيه نسبة استخدام الهواتف الذكية محدودة.
ورغم سعادتي بهذه الخطوة، فإنني لا أخفي حزني؛ لأن هذه الفكرة كانت مطروحة منذ أكثر من عشر سنوات، وكان يمكن أن تغيّر وجه الاقتصاد السوداني مبكرًا، لولا الصراعات والبيروقراطية.
تجربة M-Pesa في كينيا ترفع الدرس بوضوح:
رفعت الشمول المالي إلى أكثر من 80%
وأسهمت بما يقارب 2% من الناتج المحلي الإجمالي
وأدخلت ملايين المواطنين إلى النظام المصرفي
وفي إفريقيا، تتم أكثر من 60% من المعاملات الرقمية عبر تقنيات مشابهة، وليس عبر الإنترنت.
في السودان، حيث يُقدَّر أن أكثر من 70% من النشاط الاقتصادي خارج النظام المصرفي، يمكن لهذه الخطوة أن تُحدث تحولًا جذريًا: إدخال الأموال إلى النظام البنكي، تقليل اقتصاد الظل، تعزيز الرقابة، ومحاربة غسل الأموال.
الأهم من ذلك هو التناغم المؤسسي بين بنك السودان ووزارة التحول الرقمي، وهو ما كان مفقودًا لسنوات. شكرًا لوزارة الاتصالات والتحول الرقمي، ووزيرها المجتهد أحمد الدرديري غندور.شكرا لأمنه ميرغني التي هذا التعاون والتناغم ممكنا.