عبد الله علي إبراهيم
(إلى الصديق أنس العاقب في مناسبة صدور كتابه عن محمد وردي)
قلت في تأبين محمد وردي يوم الرفع إننا سنفيق يوماً قريباً ربما لجلال الرزء في وردي. بكاؤنا عليه اليوم مبعثه عجب فطري أو هوى سياسي. أما عبقرية الرجل كما قال حمد الريح في تأبينه فلم نبدأ الحفر فيها بعد. وأردنا الإحاطة بها ارتجالاً باللغة. فهو “الصاروخ” ثم “الفرعون” ثم “الإمبراطور” مؤخراً. وهو فنان الشعب حتى غنى لبعض المعجبين به من المستبدين فنزعت منه سعاد إبراهيم أحمد الصفة كأنها الموزع الحصري للنوط. وكنت تحدثت لوردي في السبعينات ألا يقبل بلقب فنان الشعب في المعنى الدارج. ولم أجد كعبارة حميد الأخيرة مقاربة للمعنى الذي قصدته من كلامي: من جاء ليستمع للشاعر حميد فمرحباً ومن جاء ليستمع لحميد الشيوعي فمخير”. وكان بوسع وردي أن يقول: إن جئت لحفلي لتسمع فنان الشعب فعد من حيث أتيت أما إن جئت لتسمع وردي الفنان فمرحباً.
وبلغ من عنت الوصف الوظيفي لوردي أنه صار نفسه في حيرة. فقد راجعته في عمود ما في توزعه “غير الموسيقي” بين الأحزاب. فهو حركة شعبية بعد أن هجر الحزب الشيوعي بإحسان، ولكن مع ذلك أعطاه بيته بالكلاكلة داراً. وهذا الاضطراب ثمرة مرة لبؤس احاطتنا بعبقرية الرجل. وقريب منه اعتذار محجوب شريف عن قصائده الباكرة في انقلاب مايو. وكنت هونت الأمر عليه في نحو عام 1970 حين جاءني متحرجاً منها وهو لا يعرف أني متى سمعت “عشان نبني اشتراكية” منه أو “نبايع السودان سيدا” من مايوية علي عبد القيوم لا يطرا لي قشار-مايو. وأتذكر زمالة لخير الوطن قل أن يجود بها الزمان. وفاض “الدمع وشال”.
وجدتني أقترب من عبقرية وردي بلقاء تلفزيون الشروق مع عمرو منير الكاتب الراتب ب”السوداني”. واستعرض البرنامج كتاباً له عن وردي لا أعرف أجديد هو أم قديم. فأنا ملم بمشروع عمرو وقدمت كتابيه عن الشخصية السودانية في ندوة بالخرطوم. وهو إنسان دمث وكاتب مدقق متنوع الاهتمامات حتى أنه ألف كتاباً في أنور عكاشة المعروف. وأنجاه ترعرعه في الكويت من عكر الكتابة السودانية، والمعارضة خاصة، التي تعتقد أن سداد قضيتها السياسة يعفيها عن الاطلاع بالكلية. فجهلت. وهكذا أفسد الإنقاذ حملتها من حيث لم يحتسبوا.
عرض عمرو نظراته لوردي بهدوء وقوة وعبارة واقتصاد. واستفاد من قول على شمو، الذي قدم كتابه، إن وردي ولد عملاقاً وبنى عليها استنتاجات طيبة. ونظر إلى صوت وردي من زاوية علم القراءات من مد وغنة. وقال إن من عبقرية صوته أنه يمد حيث لا يمد الناس وله في ذلك تفنن. ثم عرض بتوسع في الكتاب لأغنيتين له هما “القمر بوبا” و”نور العين”. وقال إن الحبيبة في الأولى بمثابة الحفيدة للحبوبة أما في الثانية فهي الحبيبة في نظر عاشق. وودت لو اعتبر بأن “القمر بوبا” أغنية شعبية في الأصل وليست لإسماعيل حسن كما ظل يرجع لها. وربما كانت صفتها تلك ما جعل الحبيبة على نحو ما رأى.
وأعجبني اختياره ل”نور العين” كمفتاح لعبقرية وردي. فهي أيقونته ومطلب الجمهور السرمدي. وهي صنو “لحبيبي جننني” لإبراهيم عوض التي حارت الألباب في شدة أسرها. فلم يكمل إبراهيم عوض غناءها في مناسبتين لأنها كانت فوق ما احتمله جمهور الخمسينات. وقال عمرو أن “نور العين” ربما بدت للجمهور كالبارقة من “الزمن الجميل” الذي يخاله للناس. ومهما كان رأينا في تحليل عمرو إلا أن معالجة “نور العين” كأغنية مفصلية في عبقرية وردي سيكون له ما بعده.
كتاب عمرو عن وردي نحت مستنير في مطلبه الثابت لمعرفة الشخصية السودانية نبلغ بها عبقرية وردي التي ارتجلناها.