ثقافة وفنون

عامان على رحيل حذيفة… العازف الذي بقي في ذاكرة الكمان

الأحداث: ماجدة حسن

بعد عامين على رحيل الموسيقار حذيفة، عادت ذكراه إلى الواجهة من بوابة رفيق البدايات العازف والموسيقار الشافعي شيخ إدريس، الذي استعاد جانباً من سيرة الراحل، مستحضراً سنوات الصبا الأولى بمدينة سنار، والمرحلة التي جمعتهما داخل مركز شباب سنار، حيث بدأت ملامح علاقتهما بالموسيقى تتشكل، قبل أن تفرقهما مسافات الحياة وتبقي الذكريات شاهدة على رفقة لم تنقطع رغم الرحيل.

لم يكن استحضار الشافعي لذكرى حذيفة مجرد وقفة عند مناسبة مرور عامين على وفاته، وإنما بدا أقرب إلى محاولة لاستعادة مرحلة كاملة من العمر؛ مرحلة كان فيها الحلم الموسيقي في بداياته، وكانت سنار ومركز شبابها مساحة لاكتشاف المواهب وصقلها، وملتقى لجيل من الشباب الذين وجدوا في الموسيقى طريقاً للتعبير عن أنفسهم.

وكتب شيخ إدريس على صفحته بموقع «فيسبوك» أن عامين من الرحيل «أنضجتنا فيها الأحزان وأرهقتنا الآلام، وأصبحنا نتكيف معها»، في إشارة إلى ثقل الفقد الذي أصبح جزءاً من تفاصيل الحياة، خصوصاً في ظل الحرب التي جعلت وداع الأحبة مهمة عصية، وحرمت كثيرين من الوقوف إلى جوار أصدقائهم وأهلهم في لحظاتهم الأخيرة.

وفي ذاكرة الشافعي، يظهر حذيفة بوصفه الأصغر سناً، لكنه كان حاضراً بقوة في تفاصيل مرحلة البدايات. جمعتهما محبة الموسيقى، وتحديداً آلة الكمان، التي اختارها الراحل طريقاً فنياً، ووجد فيها مساحة للتعبير عن إحساسه الموسيقي. ومن خلال تلك الآلة تشكلت ملامح تجربة مبكرة ارتبطت بسنار ورفاقها، وبأحلام جيل كان ينظر إلى الفن باعتباره مستقبلاً ممكناً ومساحة للانتماء.

وتحمل تجربة مركز شباب سنار أهمية خاصة في هذه الذكريات؛ فمثل هذه المراكز كانت في مراحل سابقة أكثر من مجرد أماكن للأنشطة، إذ مثلت بيئة لاكتشاف المواهب الموسيقية والمسرحية والثقافية، ووفرت للشباب فرصة للتجريب والتعلم والاحتكاك بالآخرين. وفي تلك المساحات بدأت علاقات فنية وإنسانية استمرت سنوات، وأصبح بعضها جزءاً من ذاكرة المشهد الثقافي السوداني.

ويستعيد الشافعي أيضاً وجوه تلك المرحلة ورفاقها، وكأن رحيل حذيفة فتح باباً واسعاً على ذاكرة سنار القديمة، بما فيها من تفاصيل صغيرة صنعت لاحقاً مسارات فنية كاملة. فالفقد هنا لا يتعلق بشخص واحد فقط، بل بجزء من زمن عاشه الاثنان، وبأحلام البدايات التي ظلت حاضرة كلما عادت سيرة الراحل إلى الذاكرة.

وجاء الرحيل في زمن سوداني مثقل بالحرب والنزوح والفقد، وهي ظروف جعلت الحزن أكثر قسوة، وأبعدت كثيراً من الأصدقاء عن بعضهم، وحالت دون أن يكونوا بالقرب من أحبائهم حين احتاجوا إليهم. لذلك حملت كلمات الشافعي إحساساً مزدوجاً؛ ألم فقد حذيفة، وألم العجز عن الوداع الذي رافق كثيراً من الراحلين خلال سنوات الحرب.

وبعد عامين، يبقى حذيفة في ذاكرة رفيق بداياته عازفاً اختار الكمان، وصديقاً حملته سنوات الصبا من سنار إلى فضاءات أوسع، وإن توقفت رحلته مبكراً. وتبقى الموسيقى، التي جمعتهما في أول الطريق، واحدة من أكثر الشواهد قدرة على حفظ أثر من رحلوا، لأن النغم لا يودع أصحابه تماماً، بل يعيدهم كلما عزفت آلة، أو تذكّر موسيقي رفيقاً كان ذات يوم يقف إلى جواره في بداية الحلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى