الأحداث – تقرير
مثل هذه الأيام من العام الماضي، كانت الأرتال العسكرية التابعة لمليشيا الدعم السريع تخوض معارك ضارية ضد قوة من الجيش السوداني في أجزاء من مدينة الفاشر، قبل أن يُعلن لاحقاً سقوط المدينة في يد قوات حميدتي.
وتصادف هذه الأيام، ذكرى مرور عام كامل على سيطرة مليشيا الدعم السريع على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، واضعة نفسها في مقام سلطة الأمر الواقع في منطقة شهدت موجات نزوح وتشريد غير مسبوقة، وأعمال إبادة جماعية شملت المدنيين والأطباء والمرضى بالمستشفى السعودي وجامعة الفاشر ومنازل المواطنين، وفقاً لتقارير المنظمات الحقوقية ولجان المقاومة.
وقد استقبل المجتمع الدولي سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر بنداءات وصفها مراقبون دبلوماسيون وسياسيون سودانيون بـ”الخجولة”، إذ إن المذابح ارتكبت تحت بصر الجميع بواسطة قوات الدعم السريع.
فر المدنيون إلى المناطق الخلاء وطُوردوا بواسطة هذه القوات إلى تخوم محلية طويلة أو المسارات الخارجية، كما أدلى النازحون بشهاداتهم لمفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، الذي زار مخيم العفاض بالولاية الشمالية والتقى فارّين من الفاشر في يناير 2026.
وقالت تقارير صحفية ومنظمات إنسانية إن النساء تعرضن للعنف الجنسي والحوامل لمخاطر الإجهاض وهنّ يحاولن الفرار من الفاشر إلى خارج المدينة بحثاً عن الأمان والهرب من بطش قوات الدعم السريع.
وتقلص وجود المدنيين في الفاشر من مئات الآلاف في اللحظات الأولى لاندلاع الحرب منتصف العام 2023، إلى نحو 260 ألف شخص فقط عندما احتدمت المعارك بين عامي 2024 و2025 في ظل حصار استمر لمدة 18 شهراً، وفقاً لتوثيق وكالات الأمم المتحدة.
وكان الجيش السوداني قد لجأ إلى إسقاط المؤن والعتاد الحربي والغذاء والأدوية عبر الطيران، قبل أن تتعثر هذه العمليات منذ مارس 2025 بفعل منظومات التشويش التي جلبتها قوات الدعم السريع، مما أدى إلى حالة اختناق شديدة، رغم تسريبات في تلك الفترة كشفت عن وجود مستودعات ذخيرة قد تكفي لأشهر لخوض القتال ضد قوات الدعم السريع.
يكشف المحلل في شؤون إقليم دارفور عيسى دفع الله، في حديث لـ”الترا سودان”، عن وجود مفاوضات بين حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور وقوات الدعم السريع لتولي الأولى الملف الأمني في مدينة الفاشر.
ويعتقد دفع الله أن قوات الدعم السريع فشلت في تقديم صورة مختلفة في الفاشر، مشيراً إلى أن قوات حميدتي لا تزال تحت تأثير المذابح التي شهدتها المدينة عند إعلان سيطرتها على المدينة في 26 أكتوبر من العام الماضي والأيام التالية لها.
ويرى دفع الله أن الفاشر تعيش على وقع “معركة مؤجلة” في ظل تقدم الجيش السوداني إلى تخوم شمال كردفان مع شمال دارفور، واضعاً نفسه على بُعد 180 كيلومتراً عن المدينة التي غرقت في الفوضى منذ سيطرة قوات حميدتي عليها.
ويضيف دفع الله أن فشل قوات الدعم السريع في إدارة مدينة الفاشر دفعها لقبول مقترح دولي بالانسحاب من شمال دارفور ضمن ترتيبات الهدنة الإنسانية التي نوقشت بين أغسطس وسبتمبر 2026.
وأردف قائلاً: “لا توجد حياة مدنية في الفاشر، وكل ما يحدث هو دعاية من غرف الدعم السريع لتصوير الأشياء وكأنها طبيعية في مدينة محطمة كلياً، تنتشر فيها المقابر الجماعية لضحايا هذه القوات، وتتلطخ جدران منازلها بدماء الأبرياء”.
وكان والي شمال دارفور، حافظ محمد بخيت، قد أكد في تصريح منتصف هذا الشهر أن وصول الجيش إلى منطقة “المزروب” يمنحه الأفضلية للتقدم صوب مدينة الفاشر.
من جانبه، يقدم الباحث في شؤون إقليم دارفور ضرار آدم ضرار إفادات جديدة لـ”الترا سودان” حول امتناع المحكمة الجنائية الدولية عن إجراء تحقيقات في الجرائم التي ارتكبت بحق آلاف المدنيين في الفاشر، سواء القتل أو التهجير أو الاغتصاب من قبل قوات الدعم السريع، بحجة “عدم توفر الموارد”، مضيفاً أن الجنائية لم تكن على قدر المسؤولية في التعامل مع مدينة شهدت مذابح لا تقل بؤساً عن الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994.
كما يلقي ضرار باللوم على وكالات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي لعدم خروجهم من محطة الإدانات والاتهامات إلى اتخاذ خطوات فعلية على الأرض لصالح الضحايا في الفاشر، لافتاً إلى أن بعض الدول التي تقدم الدعم الدبلوماسي والعسكري لقوات الدعم السريع “لعبت دوراً في هذا التأثير”.
ويرى ضرار أن الذين ارتكبوا جرائم بحق آلاف المدنيين في الفاشر طلقاء ويتجولون بحرية، متهماً قوات الدعم السريع بتوطين مجموعات سكانية استُجذبت من دول غرب إفريقيا، كنوع من المكافأة لـ”مرتزقة” قاتلوا مع هذه القوات في حربها ضد الجيش بإقليم دارفور، حد قوله.
وأردف قائلاً: “جلبت قوات الدعم السريع مجموعات من نحو أربع دول تقع في غرب إفريقيا ووطنتهم في مدينة الفاشر وفي غرب دارفور خلال الفترة القليلة الماضية، ولا تزال تفعل ذلك”.
وأشار ضرار إلى أن مصير آلاف المعتقلين في الفاشر والذين تم ترحيل بعضهم إلى سجون نيالا لا يزال يكتنفه الغموض، ولم تتلقَّ عائلاتهم أي معلومات عنهم بعد مرور عام على احتجازهم.
كما شكك ضرار في وجود نصائح قُدمت لقوات الدعم السريع من بعض منظمات المجتمع المدني للتخلص من “مسرح الجريمة” في الفاشر عبر طمس الأدلة وحرق الجثث، مؤكداً أن هذه الجهات نفسها على تواصل مع المحكمة الجنائية الدولية.
نقلا عن “الترا سودان”