لم تعد الحكومات تكتفي بجباية الضرائب وإنفاق الموازنات.
بعضها أصبح من أكبر المستثمرين في العالم.
من النرويج إلى سنغافورة والخليج والصين، تدير صناديق الثروة السيادية مئات المليارات وتملك حصصاً في شركات وأسواق وعقارات وبنية تحتية في قارات مختلفة.
الفكرة الأصلية بسيطة.
الدولة التي تحصل على دخل استثنائي من النفط أو الغاز أو الفوائض التجارية تستطيع استهلاك المال الآن، أو تحويله إلى أصول مالية تستفيد منها الأجيال القادمة.
النرويج اختارت النموذج الثاني بصورة واضحة.
لكن الصناديق الخليجية طورت نموذجاً أوسع: الاستثمار الخارجي مع استخدام جزء من رأس المال في الوقت نفسه لإعادة تشكيل الاقتصاد المحلي.
وهذا جعل الصناديق تدخل قطاعات لم تكن تقليدية بالنسبة إلى الحكومات: التكنولوجيا، الرياضة، الألعاب الإلكترونية، الذكاء الاصطناعي، مراكز البيانات، السياحة والعقارات.
الميزة الكبرى لهذه الصناديق أنها تملك رأس مال صبوراً.
صندوق استثمار تقليدي قد يحتاج إلى إثبات العائد خلال سنوات قصيرة.
الصندوق السيادي يمكنه الانتظار عقداً أو أكثر.
وهذا يجعله مناسباً للموانئ والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا الجديدة.
لكن القوة تخلق أسئلة.
عندما يشتري صندوق تملكه حكومة حصة في ميناء أو شركة اتصالات في دولة أخرى، هل هو مستثمر مالي فقط؟
أم يمكن أن يصبح الاستثمار أداة نفوذ سياسي؟
لهذا شددت الولايات المتحدة وأوروبا ودول أخرى مراجعة الاستثمارات الأجنبية في القطاعات الحساسة.
المسألة لا تتعلق بالصناديق الخليجية وحدها، بل أيضاً بالصين ومؤسسات أخرى.
هناك سؤال آخر داخل الدولة نفسها.
إذا استثمر الصندوق في مشروعات محلية، من يقرر إن كان المشروع تجارياً أم سياسياً؟
قد تستخدم الحكومة الصندوق لتمويل مشروع ضخم لا يحقق عائداً مناسباً ولكنه يحظى بأهمية وطنية أو سياسية.
هنا يصبح الخط الفاصل بين الاستثمار والإنفاق العام ضبابياً.
ولهذا تعد الحوكمة والشفافية أساسية.
يجب أن يعرف المواطن هل الصندوق هدفه تحقيق أعلى عائد، أم تنويع الاقتصاد، أم التنمية، أم جميع ذلك معاً.
المشكلة أن هذه الأهداف قد تتعارض.
أفضل استثمار مالي ربما يكون شراء أسهم عالمية، بينما أفضل استثمار لتنويع الاقتصاد قد يكون إنشاء صناعة جديدة داخل الدولة تتحمل خسائر أولية.
القرارات تحتاج إلى قواعد واضحة.
لكن أهمية الصناديق ستزداد بلا شك.
الحكومات ذات الفوائض المالية لم تعد تقبل أن تبقى أموالها مجرد ودائع وسندات.
إنها تريد امتلاك حصة من قطاعات المستقبل.
وهكذا يصبح الاقتصاد العالمي خليطاً أكثر تعقيداً: شركات خاصة تتنافس في السوق، وفي الطرف الآخر دول تدخل السوق كمستثمرين.
إنها رأسمالية ذات مساهمين سياديين.