بقلم: عصماء عاصم
نحن لا نفسد الأشياء دائمًا حين نسيء إليها؛ أحيانًا نفسدها حين نُفرط في فهمها.
في البدء تكون الأشياء على سجيتها: كلمة عابرة، نظرة لا نعرف سرّها، صمتٌ لم يطلب منا أن نملأه، ولقاءٌ جميل لا يحتاج إلى أكثر من أن يُعاش. ثم نستدعي العقل، لا ليشهد اللحظة، بل ليستجوبها. من قال؟ ولماذا قال؟ ماذا قصد؟ وما الذي يختبئ وراء ما ظهر؟
وهكذا تبدأ شهوة التفسير.
نحن لا نطلب المعنى دائمًا لأننا مولعون بالحقيقة؛ أحيانًا نطلبه لأننا لا نحتمل أن تبقى الأشياء خارج قبضتنا. نريد لكل باب سببًا، ولكل تأخر حكمة نعرفها الآن، ولكل رحيل جوابًا، ولكل مصادفة تفسيرًا. كأن الحياة كتابٌ مفتوح أمامنا، وعلينا أن نفك حروفه كلها قبل أن نسمح لأنفسنا بقراءته.
لكن أليس في ذلك شيء من الظلم؟
فالوردة لا تصبح أجمل حين نشرّحها لنعرف سر عطرها. واللحن لا يحتاج إلى أن يشرح نفسه كي يهزّ القلب. وحتى اللوحة العظيمة لا تفقد جمالها لأن الرسام ترك فيها مساحة لم يقل فيها شيئًا.
نحن نحتفي بالغموض في الفن، ثم نطارده في الحياة.
نريد أن نعرف لماذا أحبّنا أحدهم، ولماذا ابتعد آخر، ولماذا تأخر أمرٌ تمنيناه، ولماذا جاءت بعض النعم في هيئة لم نتوقعها. نريد أن نرى آخر السطر قبل أن نعيش أوله، وأن نعرف سرّ الكاتب ونحن لا نزال شخصيات في الحكاية.
وربما هنا يكمن الوهم: نظن أن فهم الشيء يمنحنا السيطرة عليه.
مع أن بعض ما يحدث لنا لا يُفهم في لحظته، وبعض الأقدار لا تُرى حكمتها إلا بعد أن نعبرها، وبعض الأسئلة لا يكون جوابها في معلومة نصل إليها، بل في إنسان نصير إليه بعد التجربة.
لذلك ليست الحكمة أن نغلق باب السؤال، ولا أن نرضى بالجهل؛ فالعقل نعمة، والسؤال سبيل إلى المعرفة. لكن الحكمة أيضًا أن نعرف متى يكون السؤال طلبًا للحقيقة، ومتى يتحول إلى رغبة في انتزاع الطمأنينة من شيء لم يحن وقت فهمه.
فليس كل غموض نقصًا، وليس كل صمت رسالة، وليس كل ما استعصى علينا تفسيره ينتظر منا أن نفتحه بالمِشرط.
ثمة أشياء يكفي أن تُعاش.
وثمة جمالٌ لا ينجو منه إلا ما تركناه سالمًا من أيدينا.
فهل نملك شجاعة أن نترك بعض الأشياء كما جاءت؛ لا لأننا عجزنا عن فهمها، بل لأننا أدركنا أن جمالها كان، منذ البداية، في أنها لم تطلب منا تفسيرًا؟